ماكرون "رئيساً" بين الناس وضابطاً سياسياً... وإجماع على انتفاء الثقة بالسلطة

07 آب 2020 05:44:51

يومياً يتكشّف المزيد من المآسي في مشهد بيروت المدمّرة. حجم الأضرار يزداد يوماً بعد يوم. أعداد الشهداء إلى ارتفاع، فيما عشرات العائلات لا يزال مصير أبنائها مجهولاً تحت ركام المرفأ والمناطق المحيطة. وحدها زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، جاءت لتخرق الوجع اللبناني، والغضب الكبير على السلطة السياسية التي أكّد رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، أن لا ثقة إطلاقاً بها، ووصفها بالعصابة الحاكمة.

ماكرون، الذي فضح رسمياً وشعبياً فشل السلطة، خلق باباً من الأمل باحتمال وجود نورٍ في آخر النفق بتأكيده أن لبنان لن يُترك وحيداً، ودعوته إلى نظامٍ سياسي جديد.

وقد جال ماكرون على المواقع المتضرّرة من الانفجار قبل أن يلتقي أي مسؤول سياسي، متفقداً الأضرار التي خلّفها. وكانت له وقفة مؤثرة مع المواطنين الذين التقاهم في الجمّيزة والمدوّر. وكان في كل محطاته مصرّاً على أن الإصلاح الفعلي هو أول الخطوات المطلوبة لمساعدة لبنان.

مصادر مواكبة أشارت عبر "الأنباء" إلى أن الثابتة الأساسية، والنتيجة العملية الأولى، لزيارة ماكرون كانت تأكيد دعمه للبنان، ووقوف فرنسا إلى جانبه في هذه المحنة، من خلال عدة مبادرات.

إنسانياً، بدأت المساعدات الفرنسية بالوصول إلى لبنان لا سيّما الطبيّة منها، هذا إلى جانب المؤتمر الدولي الذي ستشرع باريس بالتحضير له لدعم لبنان، على أن يعود ماكرون إلى بيروت في الأول من أيلول وفي جعبته مبادرة سياسية، وربما خارطة حلٍ سياسية، ليعرضها على المسؤولين اللبنانيين.

وتوقّفت المصادر عند الخطاب العالي النبرة والتأنيبي الذي توجّه به ماكرون للسياسيين مؤكداً الرسائل التي سبق وحملها إلى لبنان سابقاً وزير الخارجية جان إيف لودريان، وخلاصة القول: "ساعدوا أنفسكم لنساعدكم"، الأمر الذي نقله بصراحة جنبلاط بعد الاجتماع مع ماكرون في قصر الصنوبر.

وتعليقاً على زيارة ماكرون، قال عضو تكتل الجمهورية القوية النائب أنيس نصّار، في حديثٍ مع "الأنباء"، "اليوم زارنا رئيسنا الذي ليس لنا. فالزيارة لم تكن كما كنا نتوقع، لا بل أكثر بكثير. فعلى الرغم من إهانة وزير خارجيّته من قِبل رئيس الحكومة حسان دياب، نزل ماكرون بين الناس المنكوبين والغاضبين مبلسماً جراحهم، وواعداً بالعودة إلى لبنان في أيلول المقبل. فكما أن مشاكلنا تأتي من خارج الحدود، فالحل أيضاً يأتينا من الخارج، والدليل زيارة ماكرون التي أعطت اللبنانيين أملا بحل مشاكلهم، لأن التغيير آتٍ لا محالة". 

وتوقّف نصّار عند مطالبة جنبلاط بلجنة تحقيق دولية، مؤكداً على موقف تكتل الجمهورية القوية المطالِب أيضاً بهذه اللجنة، لأنه لا يثق بلجان التحقيق التي تتشكّل محلياً لأنها  تلفلف ما جرى، كما حصل في قضية الفيول المغشوش. 

هذا، ولفت نصّار إلى أن، "هناك تطابقاً في الموقف أيضاً بين جنبلاط وسمير جعجع في موضوع رفض الاستقالة من مجلس النواب". 

من جهته، عضو كتلة التنمية والتحرير النائب ميشال موسى، وصف في حديثٍ مع "الأنباء" زيارة ماكرون بأنها، "زيارة صداقة من دولة صديقة، وجاء ليقول إلى اللبنانيّين بأن فرنسا إلى جانبكم"، مشيراً إلى أن "فرنسا مهتمة بلبنان منذ فترة طويلة، بدأت منذ ما قبل مؤتمر سيدر، مقابل تحقيق الإصلاحات. وأمّا السبب الأول للزيارة فقد كان لمواساة لبنان بعد هول الكارثة التي حلّت به، وكانت مناسبةً للتداول في المواضيع السياسية العامة. وكلّنا نعرف أن هذه الزيارة كانت مقرّرةً في وقتٍ سابق لكنها تأجلت، ثم كان ما حدث والذي عجّل بالزيارة، فأتى ماكرون ليقول للبنانيّين بأن عليكم الشروع بالإصلاحات المطلوبة".

 وعن المطالبة بلجنة تحقيق دولية، قال موسى: "لنرى إلى ماذا ستتوصل اللجنة التي شُكّلت من قِبل مجلس الوزراء، وطلبت 5 أيام لإنهاء التحقيقق، وعلى ضوء ذلك يتقرّر ما إذا كانت هناك من حاجة للاستعانة بلجنة تحقيق دولية أم لا". 

مصادر تكتل "لبنان القوي" اكتفت بالقول عبر "الأنباء" بأن، "زيارة ماكرون شهادة صداقة وأخوة كبيرة جداً".

بدورها، مصادر حزب الله رحّبت في اتصالٍ مع "الأنباء" بكل المبادرات التي تتخذها الدول الصديقة للبنان، وفرنسا بين هذه الدول. ورأت المصادر أن أهم ما في الزيارة هو، "دعوة الرئيس الفرنسي إلى الحوار والتفاهم. وهذا الطلب مرحبٌ به من كل القوى السياسية".

وأمام هول الجريمة التي حصلت في بيروت، شكّلت مطالبة جنبلاط بلجنة تحقيق دولية علامةً فارقة أمام العجز الرسمي، وهو مطلب عاد وأيّده صراحة ماكرون. وتعليقاً على هذا المطلب أوضح أستاذ القانون الدولي، الدكتور شفيق المصري، في حديثٍ مع "الأنباء" أن، "هذا الأمر يتم عادة بناءً على طلب الدولة المعنيّة بلجنة تحقيق دولية. فإذا كانت عن طريق الأمم المتحدة فيجب أن تصدر عن مجلس الأمن، الأمر الذي يتطلب موافقة 9 أعضاء من أصل 15 الذين يشكّلون أعضاء المجلس، شرط أن يكون من بين الدول الموافِقة الأعضاء الخمسة الدائمين، والذين في حال تغيّب أحد منهم تسقط اللجنة". 

وأشار المصري إلى أنه، "هناك لجنة تحقيق دولية أخرى يمكن أن تتشكّل عبر الهيئة العامة للأمم المتحدة، وهذه اللجنة تتطلّب "النصف زائد واحد" من عدد حضور الجمعية. وغير ذلك من الممكن أن تتشكّل على مستوى جامعة الدول العربية ومجموعة الدول الإسلامية".

وفيما تبقى معاناة اللبنانيين هي الواقع الأساس، الذي عليه يجب أن تُبنى كل الطروحات، فإن أول مسارات التغيير لوقف التفجّر الوطني الشامل، لا بد وأن يعود إلى الشعب عبر انتخاباتٍ على أساسٍ وطني تُنتج سلطة جديدة ليست كتلك الحالية، التي فقدت ثقة الناس بالكامل، وهو ما أوجب ماكرون إلى القول إن كل ما هو مستعدٌ للقيام به من أجل اللبنانيّين لن يعني على الإطلاق شيكاً على بياض لسلطةٍ لا يثق بها شعبها.