عن التلاعب بـ "الطائف" والتوازنات الدقيقة!

رامي الريّس |

قد يعتبر البعض من اللبنانيين أن تكرار التمسك بإتفاق الطائف يضع هذه الوثيقة بمرتبة "الوثائق المقدسة" غير القابلة للمس أو التعديل أو التغيير، وفي ذلك تبسيط لعمق الطرح وأهميته ولحظته السياسية الراهنة.

ليس إتفاق الطائف مثالياً، وليس نصاً خالياً من الشوائب أو الأخطاء، وليس الإتفاق الإستثنائي الذي يحقق طموحات اللبنانيين بالمساواة والعدالة الإجتماعية، ولكنه الإتفاق الذي وُلد في لحظة تفاهم دولي – إقليمي – عربي كبير ووضع حداً للحرب الأهلية التي إستمرت على مدى 15 سنة وأدت إلى خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات.

إتفاق الطائف لم يكن المحاولة السياسية الوحيدة لوقف الحرب، فلقد تخللها العديد من المبادرات السابقة التي لم يُكتب لها النجاح، إذ كانت في كل مرة وعند كل منعطف تتداخل المصالح الدولية والإقليمية وتتشابك لتحول دون توليد تسوية سياسية تنهي الحرب وتفتح آفاق التغيير الحقيقي.

وهذا، إن دل على شيء، فيدل على صعوبة إنهاء النزاعات خصوصاً تلك التي تأخذ الطابع الأهلي ما لم تتوفر لها ظروف معينة تصب في خانة التسوية والإنتقال إلى مرحلة سياسية جديدة.

اليوم، ثمة دعوات صبيانية متواصلة من قبل البعض لعقد مؤتمر تأسيسي يعيد فتح النقاش على كل الملفات السياسية والميثاقية والوطنية، وهو يستبطن دعوة خفية للتلاعب بموازين القوى التي أرساها إتفاق الطائف وكرسها من خلال حسم نهائية لبنان وعروبته وصيغة المناصفة بين المسلمين والمسيحيين.

وإذا كان النقاش الإيديولوجي حول حدود الكيانات الجغرافية الذي طبع حقبة الخمسينات والستينات وأخذ ذروته مع المد الناصري وقيام الجمهورية العربية المتحدة، قد تقلص بفعل المتغيرات الجوهرية التي طرأت على طبيعة الصراع السياسي في المنطقة وتالياً "أزال" الخطر الوجودي الذي إعتبر البعض أنه كان محدقاً بنهائية لبنان؛ إلا أن التطورات جعلت صيغة المناصفة التي أرساها "إتفاق الطائف" أكثر أهمية من أي وقتٍ مضى.

وبالتالي، أي دعوات لتعديل هذا الإتفاق تشكل خطراً جدياً على التوازنات الدقيقة التي أرستها الوثيقة في لحظاتٍ معينة وقد تتعرض للإهتزاز أو السقوط.

إن أي محاولات للإيحاء بأن "إتفاق الطائف" قد "يُعدّل بالممارسة" أو أنه قد عُدّل فعلاً هو ضرب للدستور وضرب لموازين القوى السياسية ومن غير المقبول التراخي في هذا المجال كي لا تؤجج الصراعات وتذهب الأمور نحو مغامرات جديدة نحن بغنى عنها.

لا يسعنا إلا القول، "إلا الطائف"!