مواجهاتهم مع ما يسمّونه الشيطان الأكبر

03 آب 2020 14:35:42

ظهرت بعض النظريات الحديثة في الآونة الأخيرة، والتي تنظر إلى الخروج من الأزمة الاقتصادية، التي يعيشها لبنان، من خلال طرح التوجّه نحو الأسواق الشرقية للعرض والطلب. وظنّ أولئك المنظّرون أنه، وبكل سهولة، نستطيع غلق الباب بوجه المجتمع الدولي وأسواقه الاقتصادية، والذي تشكّل الدول الغربية أكثريته المطلقة لناحية القدرة الاقتصادية القوية والقادرة على مساعدة دول العالم الثالث، وذلك من خلال فتح قنوات الاستيراد والتصدير.

مع العلم أنه، وعند كل منعطف، نراهم يواجهون الولايات المتحدة الأميركية بخطاباتهم العدوانية وينعتوها بالشيطان الأكبر، وهم أنفسهم يُعتبرون عناصر استهلاكية للمنتوجات الأميركية. وهنا لا بدّ من الفصل الكامل ما بين السياسة الخارجية للإدارة الأميركية، والتي تنتهجها في منطقة الشرق الأوسط تحديداً، والتعامل من الناحيتين الاقتصادية والإنمائية مع الولايات المتحدة الأميركية. وهنا، على سبيل المثال لا الحصر، نجد أن أهم صرحَين، تربوي وصحي، يعودان للجامعة الأميركية في بيروت. ونجد أن أكثر مَن يتعامَل مع هذين الصرحَين، ومن ينشد التوظيف فيهما، هم أنفسهم من يناصرون العداء للولايات المتحدة الأميركية.

يشهرون سيفهم لقطع أواصر التعامل الاقتصادي مع الدول الغربية، وهم لم يؤمّنوا، وعلى مدى سنوات طويلة، الحد الأدنى من مقومات الحياة للشعب من ماء وكهرباء. اخترعوا السدود لتدرّ عليهم أموال الصفقات والسمسرات، وبقيت البلاد دون مياه. واستقدموا البواخر لتزيد ثرواتهم، وبقيت الكهرباء في معضلة التقنين المزمنة. لم يستطيعوا تأمين شبكة سليمة للتواصل عبر الإنترنت. لم يستطيعوا تأمين طرقاتٍ آمنة وسالكة لتنقل المواطنين بسياراتهم، بينما في المقابل نجد التحضيرات على قدمٍ وساق في وكالة الناسا لإرسال أول رائد فضاء تطأ قدماه أرض المريخ عام 2024، ناهيك عن التطور التكنولوجي في إطلاق المحطات الفضائية، والصواريخ التي تؤمّن التواصل مع تلك المحطات.

يصفونها بالشيطان الأكبر، وهم أكثر الناس استهلاكاً للصناعات الأميركية من سيارات، وإلكترونيات، وكهربائيات، وغيرها من المنتوجات الأميركية. يريدون التوجّه شرقاً، إلى أين؟ إلى أسواقٍ مقفلة تدور حول نفسها؟ إلى أسواق تنتظر بفارغ الصبر رفع العقوبات الاقتصادية عنها لتنتعش. باللّه عليكم عن أية أسواقٍ استثمارية تبحثون، إذا كنتم عاديتم دول الخليج، وضربتم السوق الاستثمارية في لبنان، وشكّلتم خطراً على وجود اللبنانيين العاملين في الخليج، فعن أية حلولٍ للأزمة الاقتصادية تبحثون؟

يشتمون الشيطان الأكبر، ويقاطعون اقتصاده، وفي نفس الوقت يتعاملون بعملته النقدية، أي الدولار الأميركي. يعادون الدول الغربية، ويهاجمون موفديها، ويتسكعون على أبواب سفارات تلك الدول طالبين تأشيرات سفر للدراسة، أو للعمل، أو للهجرة. لم نسمع يوماً بمن يرغب في الدراسة، أو العمل، أو حتى المعالجة الطبيّة، في الشرق الذي ينادون به. عن أية صناعةٍ تتحدثون، إذا كانت أهم المصانع الغربية تنتج من الأراضي الصينية؟ وهل تريدون البضائع الغربية عبر البوابة الصينية؟

كفى هرطقات ونظريات لا تمت بصلة لرفع الغبن والظلم عن الوضع الاقتصادي الذي وصلنا إليه بسبب شعارات تخطّاها الزمن. إن من تطلقون عليه لقب الشيطان الأكبر ما هو إلّا الهدف الاستراتيجي للوصول إلى التفاوض معه من قِبل محور الممانعة. إن العصر الحالي يحتّم علينا التعامل مع الدول ذات الاقتصاد المنتِج، والمتطوّر، والقوي، كما وأننا بحاجة لإعادة فتح السوق الاستثماري، وإعادة الثقة بالأسواق اللبنانية، ولكن هذا حتماً لن يتحقّق إذا بقيت سياسة المماحكة، أي ما يسمّونها الممانعة، في ظلّ حكومة الوقت الضائع، والتي تغطّ في سباتٍ عميق مع عهدٍ عاجزٍ عن الحركة.

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".