دوافع بيان مجلس الأمن حول لبنان

صدر عن مجلس الأمن الدولي في 9 فبراير(شباط) 2019 بيان حول الأوضاع في لبنان، فيه مجموعة من النقاط السياسية المهمة التي تتداخل مع المحيط، وفيها تحذير واضح من مغبة الّلعب بالاستقرار في هذا البلد الذي عانى ما عاناه من التدخلات الخارجية. وقد حمل البيان تهنئة بتشكيل الحكومة الجديدة بعد 9 أشهر من المخاض العسير، وإشادة بانضمام أربع نساء الى هذه الحكومة، وهذا يحدث لأول مرة في لبنان. وقد فاجأ البيان الأوساط السياسية في لبنان والخارج لناحية توقيته، وأعطى بذلك انطباعاً بأن المجتمع الدولي يتابع بدقة ما يجري فيه، ويرى في آخر التطورات خطورة قد تؤدي للعودة الى سابق العهود التي شهدت اضطرابات أمنية وسياسية واسعة، بما في ذلك تنفيذ اغتيالات استهدفت بعض القيادات.


وقد تضمَّن البيان أيضاً دعوة للحكومة اللبنانية الى الالتزام بسياسة النأي بالنفس عن صراعات المنطقة المحيطة، وأشار الى ضرورة العودة الى مبادئ إعلان بعبدا الذي صدر عام 2012، وتم فيه وضع محددات سياسية تتعلق بالحياد في ما يتعلق بما يجري في سوريا، وضرورة وضع استراتيجية دفاعية تتولَّى إدارتها الدولة بقواها الشرعية، دون غيرها من القوى والأحزاب. كما أشار البيان الى ضرورة تطبيق القرارات الدولية السابقة المتعلقة بلبنان، لاسيما القرار 1559، والقرار1757، والقرار 1701. وهذه القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي؛ تدعو الدول الخارجية لاسيما المجاورة للبنان الى عدم الاعتداء عليه، وعدم التدخُل في شؤونه الداخلية، كما تدعو الى منع إدخال الأسلحة الحربية الى الأراضي اللبنانية إلا للقوات الشرعية، والقرار 1559 الذي صدر في العام 2004 وخلق إشكالية داخلية كبيرة؛ فيه دعوة صريحة لحل كافة الميليشيات المسلحة على الأراضي اللبنانية، وانسحاب كل القوى الخارجية عن أراضيه، والقرار 1701 الذي صدر في أغسطس(آب) 2006 على أثر العدوان «الإسرائيلي» الواسع، دعا الى إخلاء منطقة جنوب الليطاني حتى الخط الأزرق على الحدود مع فلسطين المحتلة من أي وجود مسلح، باستثناء الجيش اللبناني وقوات «اليونيفل» التي ألزمها القرار بمساعدة القوات النظامية اللبنانية في منع تهريب السلاح من أي معبر حدودي، بما في ذلك من الشرق والشمال ومن البحر.


ما هي دوافع البيان في هذا الوقت بالذات؟ وما هي أهدافه؟
من الواضح أن اندفاعة بعض القوى اللبنانية لصرف ما جرى في سوريا بأنه انتصار يجب أن ينعكس على لبنان، وبالتالي اعتبار الذين لم يساندوا النظام بمثابة المهزومين، ويجب إقصاؤهم؛ فرضية أثارت المجتمع الدولي، كما زرعت بعض الخوف عند قوى لبنانية واسعة النفوذ، خشيةً من محاولات جديدة لإعادة لبنان الى ما كان عليه قبل العام 2005. 


كما أن تصنيف لبنان على أنه محسوب على محور إقليمي دون غيره، أثار امتعاض قوى عربية ودولية. هذه العوامل كانت الدافع الأساسي وراء صدور بيان مجلس الأمن. 
وكان البيان رسالة واضحة للذين يحاولون الاستقواء في لبنان بالعوامل الخارجية، أو غيرها، لصرف فائض قوة في الشأن الداخلي اللبناني.


أما أهداف البيان وأهميته؛ فيمكن إيجازها بعدة نقاط، أبرزها:
أولاً: صدور البيان بإجماع الدول ال 15 الممثلة بمجلس الأمن، بما في ذلك روسيا والصين، وهما قادرتان على تعطيل البيان لو شاءتا، كونهما عضوين دائمين في مجلس الأمن. وموافقة روسيا على وجه التحديد تعني الكثير، لأنها أرادت من خلال الموافقة على مضمون البيان توجيه رسالة بأنها لا توافق على زعزعة الاستقرار في لبنان، وهي تريد فصل المسار اللبناني عن الملفات الأُخرى، بما في ذلك عن الملف السوري، وهي لا تُساند أي تدخُل يهدد الاستقرار في لبنان.


ثانياً: لا يمكن التخفيف من أهمية ما تضمنه البيان لناحية رفض المجتمع الدولي برمته احتساب لبنان في دائرة أي قوة إقليمية، وتأكيد المجتمع الدولي على أهمية الحياد اللبناني عن صراعات المنطقة، وفي عدم السماح بتحويل جنوب لبنان إلى ساحة إضافية لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، برغم أن «إسرائيل» هي التي تخرق القرار 1701 بعدوانيتها الدائمة وليس لبنان.