حماده: الحياد عبور إلى لبنان... ومواقف جنبلاط تحذيريّة - تحفيزيّة

30 تموز 2020 16:08:39

في ظلّ أداء حكومة اللجان... ما كان أضيق العيش في لبنان، لولا فسحة الأمل المضيئة من على شرفة الديمان. في مقابل مشهد شؤمٍ يزدادُ سَواداً مع كلّ إخفاقٍ موقَّع بتصرّف نموذج حكوميّ لا يعرف ولا يريد، يصعد ضيفٌ على درج الصرح البطريركيّ، وفي جعبته كامل الإرادة والمعرفة بأن انبثاق نور حلّ الأزمة اللبنانية، لا يمكن أن يسطع إلا من طريق مبادرات خيّرة تأتي بوجوه نيّرة بعيدة من أوجه الشؤم وتلاوة بيانات الموت. وقد التُقطت في الساعات الأخيرة على شرفة الأمل نفسها، صورة موقّعة بابتسامات تشارَكها البطريرك مار بشارة بطرس الراعي مع النائبين مروان حماده وهنري الحلو. وما كان من النائب حماده سوى أن أعاد عقارب الزمن إلى الوراء، لحظة تحدّث ناقلاً تحية إلى سيد الصرح من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس اللقاء الديموقراطي تيمور جنبلاط؛ فأعاد الأذهان الى حقبة انتفاضة الاستقلال التي انقشعت أولى ملامحها مع مصالحة الجبل برعاية البطريرك التاريخي مار نصرالله بطرس صفير، وهي الانتفاضة التي شكّل حماده أوّل محبرة في كتابة أحرفها باللّون الأحمر.

وأبعد من "ثورة الأرز"، يعود حماده في حديثه لـ"النهار" إلى حقبة لبنان الكبير التي تبعها زمن الميثاق الوطني، في قوله إنّه و"بعد الاستفسار عن حجم مبادرة البطريرك الراعي وآفاقها، استُخلِص بأنها تندرج في سياق المفهوم الأساسي للصّيغة اللبنانية التي نؤمن بها منذ مرحلة الأربعينيات والخمسينيات، وقد اختيرت عبارة الحياد الايجابيّ للتعبير بدقّة عن مضمونها. وقد أتت زيارة موفد اللقاء الديموقراطي، لتؤكّد على دعم نداء الحياد الذي نعتبره جزءاً لا يتجزّأ من الميثاق الوطنيّ والذي أكّده اتفاق الطائف؛ ونرى في تطبيق مفهوم الحياد عبوراً مِن مصطلح لاءين لا يبنيان وطناً إلى التقاءِ نقيضَين في لقاءٍ قوامه لبنان بحدوده النهائية وهويّته وانتمائه العربيّ المُحصّن بجمهورية ديموقراطية وبمبادئ وُضعَت في الميثاق سنة 1943، إذ كان لبنان عنصر وساطة قبل أن يشهد حقبات من الانحياز إلى فرق، كما حصل في مرحلة التنافس السياسيّ سنة 1952 مروراً بحرب داخلية عام 1958 فحقبة اتّفاق القاهرة، وصولاً إلى الحرب الأهلية اللبنانية التي كانت حصيلة خلاف لبناني - سوري - فلسطيني - إسرائيلي، بما في ذلك حرب الجبل التي كانت فصلاً من حروب إقليمية. وتجسّد هذه الأمثلة نماذج من حروب الآخرين على أرض لبنان كما سمّاها غسان تويني".  ومن هذا المنطلق، يرى حماده بأنه "لا بدّ من رفض أن يُخرِج أيّ طرف البلاد عن الصيغة اللبنانية أكان حزب الله أو سواه، فالقضية ليست موضوع خيار سياسيّ أو تكتيّ".   

في كواليس الزيارة إلى الصرح البطريركي، أكّد الراعي خطّ البطريركية المارونية الوسطيّ والسليم، وفق حماده الذي يشير إلى "أننا وجدنا آذاناً صاغية في الديمان، وسلّمنا البطريرك نسخة عن المذكّرة التي قدّمها النائب جنبلاط في بعبدا، والتي تشمل عناوين أساسية من الضروريّ مقاربتها للخروج بحلول حقيقيّة للأزمة الراهنة. وقد لاقت المذكّرة اهتماماً بارزاً في الصرح البطريركي، على عكس طاولة اللقاء الحواري"، مضيفاً أن "هذه التطورات تحلّ في وقت نشعر فيه بالارتياح وسط مشهد المصالحة الراسخة في الجبل وأجواء العلاقة الجيّدة التي تجمع قواعد المُكونَيْن المارونيّ والدرزيّ، بعدما خفّت المناوشات على مواقع التواصل الاجتماعي على أثر الاستفزاز الذي كان قائماً من قبل النائب جبران باسيل". ويخلص حماده في حديثه عن المبادرة إلى أنها "تذكّر بمحطات حواريّة سابقة كان من أبرزها الحوار الذي نظّمه الرئيس نبيه بري وتحدّث خلاله في قضايا بارزة من بينها قضية ترسيم الحدود والسلاح خارج المخيمات الفلسطينية ورفض تلازم المسارين".

يتزامن نداء بكركي في توقيته مع مواقف متقدّمة يطلقها رئيس التقدمي وليد جنبلاط عبر تغريدات من توقيعه، ويتناول فيها محور الممانعة وأداء الحكومة. نسأل حماده عن دلالات الهجوم وأبعاده، فإذ به يؤكّد أن "الموضوع لا يرتبط بأبعاد إقليمية أو استراتيجية فحسب، ونحن ضدّ أي مغامرة تضع لبنان رهينة لدى إسرائيل؛ تتّخذ مواقف رئيس التقدمي وتغريداته بعداً داخليّاً مرتبطاً أيضاً بأداء الحكومة ورئيسها بعدما طفح الكيل أمام الإخفاقات الكبرى والمستمرة، وليس آخرها الكلام الموجّه إلى الوزير الوحيد (وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان) الذي تحمّل مشقّة السّفر إلى لبنان في محاولة أخيرة وسط استمرار الحكومة في اعتماد سياسة الإنكار. وتندرج هذه المواقف التي يطلقها رئيس التقدمي في إطار لا صداميّ هدفه التنبيه والتصويب والتحذير والتحفيز والترشيد". 

ويضيف: "كنّا نعوّل على الحركة الوفاقية التي قام بها الرئيس ميشال عون لكنّها لم تأتِ بنتائج، ونعوّل على حركة الرئيس بري الذي يبقى الصديق الحميم لوليد بك".

عن قضية سد بسري وموقف اللقاء الديموقراطي، يشدّد على أن "سياسة السدود الكبرى أثبتت فشلها وتأكّد بأنها غير ذات جدوى، وهي قضية غير مرتبطة بخلاف بين كتل نيابية. إنّ معارضة سدّ بسري تأتي من باب الحرص على تأمين مياه نظيفة - غير ملوثة تصل إلى أهالي بيروت، والبحث عن حلول مستدامة ومتوافرة بأقلّ كلفة ماديّة من السد الذي حُسم موضوع عدم توافر فرص نجاحه من جهة، وتأثيره السلبي على البيئة من جهة ثانية. ونحن نحرص على توفير المياه لبيروت قبل الجميع من خلال اعتماد حلول مرتكزة على الافادة من المياه الجوفية وتحلية مياه البحر". وفي ما يخصّ عودة ملف النفايات إلى الواجهة، يؤكّد حماده أن "هذا الموضوع لا يمكن تمريره على قاعدة الأمر الواقع، بل يحتاج إلى مزيد من الوقت، إذ لم يعد في الإمكان وضع النفايات في مطمر الناعمة بعد مرور 18 سنة تحمّل فيها أهالي المنطقة الكثير. من هنا القول إن موضوع النفايات يحتاج إلى البحث في حلول جدّية".