حصار العطش لا ترويه المياه المسمومة... اليكم حقيقة مشروع بسري القاتلة

30 تموز 2020 11:24:58

اضافة الى كل الاسباب البيئية والعلمية التي تؤكد التداعيات التدميرية لسد بسري، فان طبيعة مشروع السد الذي سيكون جزءا من عدة مصادر سيتم جمعها لجر المياه الى بيروت، تجعل منه مشروعا لتسميم أهالي بيروت على خلاف ما ادعى البعض انه لا يشرب الناس مياه مسمومة.

وتوضيحا لهذه النقطة البالغة الاهمية والخطورة، والتي تكاد تكفي لوقف المشروع بحد ذاتها، تعيد جريدة "الأنباء" الالكترونية نشر ما كتبته الصحافية المتخصصة في الملف والناشطة في حملة سد بسري سعدى علوه في المفكرة القانونية في شباط 2020، عسى ان يطلع عليه الغيارى على رفع حصار العطش عن اهالي العاصمة. وقد جاء في التحقيق ما يلي:

ينوي مجلس الإنماء والإعمار والبنك الدولي تنفيذ مشروع جر مياه الأوّلي وسد بسري إلى بيروت الكبرى من أربعة مصادر هي: مياه بسري الأوّلي (60 إلى 100 مليون متر مكعب)، القرعون (50 إلى 60 مليون متر مكعب)، عين الزرقا (14 إلى 41 مليون متر مكعب) وينابيع جزين (5 إلى 17 مليون متر مكعب). والمفارقة أنّ جميع هذه المصادر لها أسباب تلوّثها، لعلّ أكثرها خطورة هي المياه الآتية من القرعون التي تشكّل مياهها 33% من مجموع المياه التي من المنوي جرّها إلى بيروت.
 
بحيرة القرعون الملوثة
يصف الباحث في مجلس البحوث العلمية والأستاذ في الجامعة اللبنانية البروفيسور كمال سليم في تصريح لـ "المفكرة" مياه القرعون بـ"القاتلة، وغير الصالحة للرّي وبالطبع غير صالحة للشرب وحتى اليوم من المستحيل معالجتها بشكل كامل". والسبب الرئيسي للتلوّث القاتل لمياه القرعون هو البكتيريا الزرقاء ـ الخضراء أو ما يسمّى "سيانوبكتيريا" وهي كائنات مجهريّة تُفرز سموماً قاتلة تقضي على التنوّع البيولوجي والحياة في البحيرات ومن أسباب تكاثرها التلوث وارتفاع حرارة الجو. وأصدرت مصلحة الليطاني في 22 كانون الأول 2019 بياناً حذّر من بدء تكاثر هذه البكتيريا في الشتاء أيضاً في الضفة الغربية لبحيرة القرعون، مناشدة المعنيين والقضاء بوجوب التحرّك "لإنقاذ السكان في البقاع من هذه الكارثة الخطيرة التي تؤدي إلى تداعيات بيئية وصحية كارثية".  
وتكمن خطورة هذا التطوّر بحسب سليم بأنّه "دليل على تأقلم السيانوبكتيريا وقوّة استيطانها بعدما كانت في السابق تتكاثر وتنتشر خلال فصل الصيف مع ارتفاع الحرارة، بينما تخف شتاء. أما اليوم فهي تتكاثر وتنتشر في الشتاء مما يعني أنّها طوّرت دفاعاتها وتأقلمت حتى مع الطقس البارد الذي كان يؤثر عليها، وفي هذا مؤشر على حدة التلوث الذي يؤمن لها بيئة مناسبة للتكاثر والغذاء".
وحمّلت المصلحة مجلس الإنماء والإعمار والوزارات المعنيّة مسؤولية عدم تطبيق القانون 64 الذي رصد 55 مليون دولار لمشكلة تلوّث البحيرة والقانون 63 الذي رصد 1100 مليار للبنى التحتية لرفع التلوث في حوض الليطاني.
ويقول سليم الذي أبلغ السلطات الرسمية قبل نحو عشر سنوات عن اجتياح السيانوبكتيريا لبحيرة القرعون ودقّ ناقوس الخطر من دون جدوى، أنّ سطح البحيرة مغطّى بطبقة تكاثر كثيف (Bloom) من السيانوبكتيريا التي قضت على كل الكائنات الحية في البحيرة من الفلورا والفونا (نباتية وحيوانية)، ولم يبق سوى سمكة الكارب الضخمة التي تقاوم المياه الملوثة والسامة. وتتكاثر السيانوبكتيريا بكثرة كونها تتغذى على "النيترات والفوسفات الناتجة عن مياه الصرف الصحي والمبيدات والأسمدة الزراعية والمعادن الثقيلة في النفايات الصناعية التي لوثت الليطاني والبحيرة"، وفق سليم.
وتتكثف الطبقة السطحية من السيانوبكتيريا "بسماكة لا تقل عن 10 أمتار، ويمكن للناظر إلى البحيرة رؤية اللونين الأخضر والأزرق المفروشين على سطحها". يقول البروفيسور سليم إنّ الأخضر هو إشارة إلى وجود الكلوروفيل أي (Pigment) وهو الصباغ الأخضر الذي تنتج منه السيانوبكتيريا غذاءها. أما اللون الأزرق فهو الفيكوسيانين (Phycocyanine) وهو الصباغ الأزرق الذي لا يتواجد سوى في السيانوبكتيريا.
إذاً، هذه الكتلة البيولوجية من السيانوبكتيريا التي تفرش سطح البحيرة "تموت وتتكاثر بشكل متواصل وسريع كما كل الكائنات المجهرية"، وفق سليم. لذلك فإنّها "بموتها تهبط إلى قعر البحيرة وتترسب في الأعماق وتتآكل ثم تتحلل عن طريق بكتيريا تتغذى على هذه الكتلة البيولوجية من السيانوبكتيريا الميتة، مما يؤدي إلى استهلاك الأوكسيجين الموجود في أعماق البحيرة". ومع انتفاء الأوكسيجين من أعماق البحيرة "يصبح قعرها غير قابل للحياة".
ويؤكد سليم أنّ هذا التحلّل والتآكل للكتلة البيولوجية من السيانوبكتيريا يحوّلها إلى غازات دفيئة من بينها غاز الميتان وH2S أي غاز الكبريت وكذلك غاز الأمونيا "وهذه غازات سامة بتنا نراها على شكل فقاقيع ظاهرة على سطح البحيرة وخصوصاً غاز الميتان وهو كما الكبريت والأمونيا من الغازات الدفيئة التي تفوق خطورتها خطورة غاز ثاني أوكسيد الكربون بعشرين مرة على الأقل للميتان وأكثر منها للكبريت والأمونيا".
وتتسبب هذه الغازات "الأمراض السرطانية على أنواعها وكذلك الصدرية والتنفسية والتشوهات الخلقية كما تساهم في ظاهرة الإحتباس الحراري وتغيير المناخ"، وفق البروفيسور سليم نفسه. ومن المعروف أن نسب الإصابة بالسرطان في بعض مناطق البقاع تبلغ 3 إلى 5 أضعاف المعدلات في لبنان بسبب تلوّث الليطاني والقرعون وفق المعطيات الأولية لدراسة كان يشرف عليها الدكتور إسماعيل سكرية بالشراكة بين الجامعتين اللبنانية والأميركية عام 2016.
ويرصد سليم من خلال مراقبته لسطح بحيرة القرعون ما يبدو "وكأنها تتنفس بانبعاثات غاز الميتان القاتل وهو ما يزيد من سمّها، وعليه يجب إجراء أبحاث ودراسات متقدمة لقعر البحيرة كما سطحها لتبيان الآثار السلبية التي استجدت بالإضافة إلى السيانوبكتيريا".
 
مجارير جزين
أما بخصوص المصادر الأخرى للمياه التي سيتم جرّها إلى بيروت، فهناك ما لا يقل عن ثلاثين بلدة وقرية في قضاءي جزين والشوف تذهب مياه صرفها الصحي إلى مرج بسري عبر روافد نهر بسري الأولي وهي: نهر بحنين عراي من ناحية جزين، ونبع باتر ونهر الباروك من ناحية الشوف. وتشكل مياه ينابيع جزين أحد روافد نهر بحنين عراي الذي يغذّي بسري وتتلوث بمجارير قضاء جزين أيضاً. ويقول كريم كنعان، إبن جزين، وهو يصطحب فريق المفكرة في ما أسماه رحلة صغيرة إلى وادي جزين بالقرب من ضيعة تحمل الإسم نفسه وتقع على يسار شلال جزين ويعبر بقربها نهر بحنين عراي جزين "اليوم مخصص لري المزروعات في جزين ومحيطها لذلك لا يوجد ماء في الشلال". بعد ذلك يتّجه بنا إلى نهر جزين وبحنين الذي يصب في نهر بسري ويلتقي مع نهر الباروك ليشكلا نهر الأوّلي الذي يجري نحو صيدا. هناك بالقرب من النهر الذي تغطّيه رغوة بيضاء تفوح روائح كريهة قاتلة. يشير كنعان إلى الرغوة ليقول "هذه رغوة مياه مجارير". وماذا عن نهر جزين - بحنين؟ نسأله. يضحك بسخرية مُرّة ويجيب "هذا هو النهر الآن مجارير صافية، هذه مجارير جزين والقرى المحيطة بها وكلّها مسلّطة إلى هذا النهر". يأسف كنعان لأنّ وادي جزين الجميل والغارق في الأحراج والأشجار المثمرة صار مجرى للمياه الآسنة. "لم يضربوا الوادي فقط وقضوا عليه كمتنفّس للتنزّه وعلى إمكانية استثمار أراض زراعية فيه، بل هذه المياه الآسنة هي التي سيجرّونها إلى بيروت والضاحية". ويشير كنعان نحو قرى الشوف ليضيف: "كل القرى والبلدات التي تصبّ في نهرَي الباروك وباتر تصب مياه مجاريرها في النهر ومنه إلى بسري ومنه إلى نهر الأولي وهذه أيضاً سوف تذهب في النفق إلى بيروت". ويسأل عن نوعية المياه التي سيشربها أهل الضاحية والعاصمة حتى لو تم تكريرها في الوردانية: "عن أية نوعية تكرير نتكلم وما هي المواصفات؟ وأي معادن ستبقى في هذه المياه. أليس كافياً فشل محطات التكرير التي أنشئت قبلاً؟".  
أما مياه عين الزرقا فغير متوفرة أبداً لضمّها إلى المياه المنوي جرّها إلى بيروت كونها مستهلكة بالكامل في البقاع الغربي وراشيا ومن قبل مصلحة الليطاني في توليد الكهرباء كما يؤكد رئيس مجلس إدارة مصلحة الليطاني الدكتور سامي علوية لـ "المفكرة".
 
خلط البحيرة مع بسري في محطة الوردانية ينسف إمكانية المعالجة
الأهم، وفق سليم وخبراء آخرين يتابعون تفاصيل مشروع جر المياه إلى بيروت، ووفق المستندات والخرائط التي حصلت عليها "المفكرة" من مخطط المشروع، أنّه سيتمّ خلط مياه القرعون مع المياه الآتية من بسري ومن ضمنها مياه جزين في محطة الوردانية. وبالتالي "سيتم تلويث كل المياه بالسيانوبكتيريا، والتسبّب بقتلها كما مياه القرعون، وسيصبح من المستحيل معالجتها"، "كونه لا تتوفر معالجة نهائية وكافية للسيانوبكتيريا حتى اليوم في العالم"، كما يقول سليم "المفكرة".
 
مياه النفق التي تلوثت بعصارة مطمر الناعمة
إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى تسرب عصارة مطمر الناعمة إلى النفق الذي يمر تحته والذي يفترض أن ينقل المياه إلى بيروت. وهذا ما كشفته "المفكرة" عبر تحقيق حول الموضوع نُشر في 11/10/2019. ولم يصدر مجلس الإنماء والإعمار أي بيان ينفي هذه المعلومات، حيث اقتصر رده على بيان أكد فيه حصول "بعض المشاكل التقنية في النفق وتمت معالجتها واستمرار العمل". ويلحظ أن االمجلس. لم يطلع المجلس الرأي العام عن الإجراءات التي سيتخذها لمنع تسرب التلوث سواء من عصارة مطمر الناعمة أو من غيره، مكتفياً بالقول إنه سيتم تغليف النفق كخطوة ثانية.  
وكان أحد المشاركين في حفر النفق عندما كانت تتولى أشغاله الشركة الإيطالية "سي إم سي"، أكد لـ"المفكرة"، أن الأشغال توقفت ليس فقط بسبب إفلاس الشركة وإنما أيضاً بسبب "بحر المياه الذي أُغرقت فيها الحفارة الصينية في منطقة الناعمة وتحديداً تحت مطمر الناعمة الشهير". ونقل هذا المصدر لـ"المفكرة" أنّ المياه التي انهمرت من سقف النفق "كانت آسنة وذات رائحة كريهة مما جعلنا شبه متأكدين أنها عصارة المطمر"، مشيراً إلى "غرق نحو أربعة كيلومترات من طول النفق بهذه المياه الملوثة، وبعلو لا يقل عن خمسين سنتمتراً". ولفت المصدر إلى أن المياه كانت تتسرب من باطن الأرض وفوق الحفارة كل عدة أمتار على شكل خيوط مائية تفوح منها روائح كريهة جداً.
وعليه، غرقت الحفارة يومها داخل النفق في أرضية موحلة ورطبة، علماً أن حفر النفق يجري على عمق يراوح ما بين 15 إلى 300 متراً تحت سطح الأرض ربطاً بطبيعة المنطقة وتضاريسها، وعما إذا كانت جبلاً أم وادياً .