حوار الحياد، أم حياد الحوار؟

24 تموز 2020 09:32:07

كَثُرَتْ في الأيام الأخيرة المناظرات والمناورات التي تدعو إلى اعتماد سياسة الحياد أو عدمه. وعليه، لا بدّ من إعادة النظر الصريحة في مبدأ الحياد، وماهيته، وكيفية مواءمته للبيئة اللّبنانية، حيث اختلاف الرأي يُفسد للودّ قضية في كثيرٍ من الأحيان.

وفي التعريف، فإنّ الحياد هو، "عدم الانحياز، أو الميل إلى طرفٍ أكثر من آخر، خاصةً في نزاعٍ أو حرب". وما يعنيه هذا المفهوم في التطبيق هو الحق الطبيعي للدولة بتقرير مصيرها، وسيادتها، والعمل على هندسة سياساتها الخارجية وفق ما تقتضيه الضرورة، والمصلحة العليا للبلاد. كما أنّها تساعدها على القيام بعمليات التفاوض، والعمل على بناء الأنشطة الإنمائية.إلّا أنّ هذا المفهوم يصطدم بعددٍ من المعوقات، ولعلّ أبرزها عدم التوافق الداخلي على إيجاد آليةٍ لتطبيقه مع مراعاة الخلفيات السياسية والدينية، والانتماءات المختلفة داخل مساحة الوطن. 

والمعروف تاريخياً أنّ الحياد برز في ميثاق 1948، وبعدها في تسوية القاهرة وواشنطن، وانتخاب الرئيس فؤاد شهاب عام 1958.

ومع دخول لبنان طرفاً في النزاع العربي- الإسرائيلي عام 1969، ونشوب الحرب الأهلية مع ما تكبّده البلد من خسارة في الأرواح والاقتصاد، كان لا بدّ من إعادة تصويب البوصلة، والعودة إلى اختيار مبدأ الحياد الذي يُجنّب الوطن العودة إلى المنزلقات الخطيرة، والذي عاد وتبنّاه اتّفاق الطائف عام 1989.

وبقيت القضية المحورية التي ما زالت السبب في وقوف بعض الأطراف ضد مبدأ الحياد، وهي القضية الفلسطينية والوجود الإسرائيلي على الحدود الجنوبية. واللّافت في الموضوع هو أنّ لبنان وحده يدفع الثمن الباهظ نتيجة هذه القضيّة في حين أنّ كافة الدول العربية لم تُبدِ موقفاً موحّداً إزاءها، والكل يؤكد أن لا حياد في قضية الصراع العربي- الإسرائيلي!! إذاً، علامَ الخلاف؟ والجميع يعلم أنّ تجارب الماضي أثبتت أنّ الحياد وحده هو الذي ينقذ البلد من التفكّك الداخلي. ومعلومٌ أنه ليس لبنان وحده هو المطل على كيان العدو، فلماذا من جنوب لبنان تنطلق المقاومة، في حين أنّ الهدوء يسيطر على محاور سوريا، والأردن، وحتّى مصر؟ 

لعلّ المطلوب اليوم من عملية الحياد إنّما هو الضّغط على جميع الدول العربية بالاعتراف بالقضية الفلسطينية، وبالصراع العربي- الإسرائيلي والسماح للبنان بأن يكون متنفساً اقتصادياً، ومحور سلام، وليس أرض تقاتل وتصفية حسابات على حساب شعبٍ ووطن. 

 والمشكلة الحقيقية تكمن في محاولة ربط ما يجري من قضايا داخلية بمحاور خارجيّة ذات صلة، ما يُعقّد الوصول إلى حلول جذريةٍ على الصّعيد الدّاخلي، يُضاف إلى ذلك التفرّد بقرار السلم والحرب، وهو ما يستدعي استفاراً عاماً في كلّ مناسبة. 

ولعلّ ردّ المفتي الجعفري، الشيخ أحمد قبلان، منذ أيام والذي اعتبر فيه أنّ، "لبنان بلدٌ مقاوم لا يقبل أن يكون فريسةً للصهاينة والأميركيين"، وأنّ "على البعض أن يتذكّر أنّ زمن عودة المارد للقمقم صار في خبر كان"، هو خير دليل على أنّ هناك فئة في لبنان تعمل على زجّه في أتون الأزمات المتلاحقة في المنطقة، بدءاً من فلسطين، مروراً بسوريا، وصولاً إلى العراق.

ويشير كلُّ ما يدور في الآونة الأخيرة  إلى أنّ سلسلة الأزمات المتلاحقة التي عاشها لبنان جعلتْ من الآخر خصماً في الوطن، وليس شريكاً فيه، ما جعل النظام الطائفي أقوى فعلاً، وأكثر تجسّداً. ولم تكن دعوة البطريرك الرّاعي بالعودة إلى الحياد والتي لاقت تجاوباً من سماحة العلاّمة السّيد علي الأمين، الذّي اعتبر أنّ، " الشّعب اللّبناني بكل طوائفه لا يتجزأ... وليس فينا كثير يهيمن على قليل"، خير مثالٍ على ضرورة العودة إلى مفهوم الحياد لتغليب المصلحة العليا للوطن على ما عداها من المصالح الأخرى. والمعروف أنّ لبنان بكل أطيافه يمرّ بأزمةٍ خانقة تحتاج إلى تضافر الجهود للخروج من الأزمة، وليس مراكمة أزمات تصل إلى نقطة اللّا- عودة وحيث لا ينفع معها النّدم. والكلّ يعلم أنّ التحديات كثيرة أمام طرح مسألة الحياد، والتي تحتاج أيضاً إلى عناصر أخرى لتتحقق، كموافقة دول الجوار، وإمكانيات دفاعية، وتوافر ضمانات دوليّة بشكلٍ مستمر.

ومهما يكن من أمر فالحاجة اليوم ملحّة إلى التفتيش على قواسم مشتركة والالتفاف حول دعوة البطريرك الراعي، وتأمين الأجواء الإيجابية في محاولةٍ للخروج مما ينتظر الوطن على كافة الصعد بأقل خسائر ممكنة. والسؤال الذي بات لزاماً علينا طرحه هو، إلى متى سيبقى لبنان ذو الرئة العربية الذي يختنق بقضاياها، ولا يعرف مخرجاً لها إلاّ على حسابه وحده؟

إلى متى سيبقى لبنان حلبة صراعٍ دولية لارتهاناتٍ خارجية؟ وما هو البديل عن سياسة الحياد التي أثبتت فرملتها للمنعطفات المفصلية التي كادت أن تُغرق البلد في المجهول، وفي أكثر من مناسبة؟

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".