مسبار العرب إلى المريخ

23 تموز 2020 10:53:50

تصريح عمران شرف، مدير مشروع المسبار الإماراتي الذي انطلق الى المريخ في 20 يوليو/ تموز 2020، بأن العرب كانوا مصدراً للمعرفة وعلم الفضاء؛ يُذكِّر بما قاله العالم الفلكي العربي إبراهيم الفزاري قبل ما يقارب 1200 عام، عندما أعلن عن اختراع جهاز رصد الأجرام: «الابتكارات العربية أسست لعلوم الفلك» ( في كتابه المقياس للزوال ). وقبل ذلك كان قدامى المصريين في مقدمة الشعوب التي ساهمت في تفسير حراك النجوم وتوقيت الفصول، وفي دورات الكسوف والخسوف.

ما قامت به الإمارات العربية المتحدة في إطلاق «مسبار الأمل» إلى المريخ من قاعدة تانيجاشيما في اليابان يشكل بارقة أمل مضيئة في زمن العتمة السياسية التي نعيش فيها، والعمل يؤكد الإرادة العربية التواقة إلى الرفعة على الدوام، وهو مساهمة عربية متقدمة في مسيرة التطور العلمي والتكنولوجي الذي يشهده العالم، حيث لا مكان في المستقبل للمتخلفين عن ركب التطور، وللذين يتجاهلون فائدة العلم، وللضائعين في زواريب المماحكات الصغيرة التي تفوح منها روائح الاستبداد، والجهل.

من المؤكد أن لا شيء مستحيل، كما أعلن نائب رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم،  لكن بلوغ المرام يحتاج إلى الإرادة والتصميم والرؤية السديدة، ولحكمة القيادة التي من دونها لا يمكن تحقيق الأهداف النبيلة، وبطبيعة الحال؛ فإن الأعمال الكبيرة تحتاج إلى عزائم كبيرة، وإلى الصبر.

الخطوة الإماراتية العلمية الجبارة بعثت أجواء افتخار عند الشباب العربي الذي يئن تحت وطأة اليأس، والإحباط، وأعادت الأمل في توافر مساحات راقية يمكن لهؤلاء الشباب الاستفادة منها لمواكبة الرؤى الطموحة التي ترسخت في أذهانهم من جراء المعارف التي أدركوها، وحالت الظروف الصعبة دون تحقيقها.

وإطلاق مسبار المريخ العربي يُساهم في استعادة بعض التوازن العلمي والسياسي، بعد أن تحكّمت الفوضى الإقليمية والدولية في مسارات التنمية، وغلبت على أداء بعض القوى والدول أنماط من «التوحش» السياسي، ساهمت في التراجع الاقتصادي، وفي تدني مستوى النمو عند العديد من بلدان المنطقة، وأنتجت توتراً لا مُبرر له، دُفعت أكلافه من مدخرات الشعوب، وثرواتها. وقد أكلت الرعونة السياسية التي مارستها بعض القوى الإقليمية الكبرى من معجن حركة التطور، وهي لم تُنتج سوى التوتر وعدم الاستقرار، لأن الطموحات الامبراطروية الناتجة عن الاستبداد الشخصي، أو الشوفيني، لا مكان لها في العصر الراهن.

لقد استهلكت النزاعات المحلية والإقليمية جزءاً يسيراً من الموفور الزمني، والمادي، والبشري لعدد من شعوب المنطقة، وكان يمكن أن يُحدث استخدام هذه الموفورات بشكل صحيح فرقاً يخدم رقي الشعوب، ويساهم في رغد عيشها باطمئنان، وسلام. فموازنة مشروع «نوابغ الفضاء» مثلاً؛ يكاد لا يساوي جزءاً بسيطاً من الإنفاق العسكري في أي دولة من دول المنطقة.
إن استعراض موازنة البحث العلمي في دول عربية عدة، باستثناء القليل منها - خصوصاً الإمارات - يكاد لا يتساوى مع موازنة الأبحاث في دولة كبيرة واحدة، أو مع موازنة الدولة الغاصبة «إسرائيل». والخطوة الفضائية الإماراتية المتقدمة حافزٌ جديد للعديد من الدول العربية وغير العربية على توجيه الاهتمام بمسارات التقدم والتطور، والانكفاء عن سياسة المناكفة والتهديد التي لا تجلُب إلا الخراب والدمار.

ومن نافلة القول في هذه المناسبة؛ أن الهجمة غير المسبوقة التي تستهدف المنطقة العربية بأغلبيها، تستدعي المزيد من التضامن العربي، وتفرض على قادة السياسة والرأي توجيه البوصلة نحو أهداف نبيلة، تحفظ أمن الأمة العربية برمتها، وتُطلق ورشة علمية في مختلف المجالات - ومنها علوم الفضاء - تُساهم في توفير فرص العمل للشباب العربي، حيث أغلبية هؤلاء الشباب يتزاحمون للحصول على تأشيرات سفر إلى دول لا تزيد مكانة وثروة عن بلدانهم العربية.