الاستبداد والتسلّط

22 تموز 2020 13:03:00 - آخر تحديث: 22 تموز 2020 13:04:49

من الترهيب إلى التخوين المبدأ واحد، والهدف واحد، والفاعل واحد. والمطلوب هو تطبيق سياسة القمع، وكم الأفواه، والاستئثار بالسلطة، والقضاء على التنوّع والصوت الحر، لتسود سياسة اللون الواحد، وكأننا في نظام شمولي، أو في نظام البعث وأنظمة الأزمنة الغابرة. 

في زمن الحاكم ذي الوجوه المتعدّدة في مواقع السلطة، والذي يطلّ علينا أسبوعياً فيحدّد المسار الذي ينبغي أن تسيره الدولة، ومؤخراً أعادنا إلى صراع الشرق والغرب الذي عدى عليه الزمن، وكأننا لسنا في زمن العولمة، أو في القرن الواحد والعشرين.

إذاَ، المطلوب ترسيخ سياسة الاستبداد وتغيير وجه لبنان، ومسح تاريخه ومسخ صورته. فأي سياسة غير سياسة الاستبداد المدمّر، ممنوعة، وأي صوت غير صوت المستبد ممنوع، وكل صوت آخر مختلف تُلصق به تهمة الخيانة والعمالة بغية ترهيبه وتطويعه، وذلك في محاولةٍ لنزع هوية لبنان التنوع، وموئل المضطهدين، وأصحاب الرأي الحر، والصحافة الحرة و...

لقد دأب الفريق الحاكم على ترسيخ هذا التوجّه وتثبيت هذه المعادلة، تارةً بالتخوين والترهيب، وطوراً بالقتل والإلغاء. وبدءاً من خطاب رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي، وليد جنبلاط، في زمن حكومة الرئيس سليم الحص في مجلس النواب، ومطالبته النظام السوري بإعادة الانتشار ووصفه الرؤساء والوزراء والنواب الموالين آنذاك بأشباه الرجال. ونتذكّر تماماً حملة التخوين والترهيب التي طالته، وإجبار الرئيس الشهيد رفيق الحريري بعدها على التمديد للرئيس لحود، واتهامه بصناعة القرار 1559، ومحاولة اغتيال مروان حمادة. ونتذكّر ترهيبهما وثنيهما عن محاولة ترسيخ سياسة استقلال لبنان، وتحقيق سيادته، وتحريره من عبث البعث، فدفع لبنان الثمن غالياً باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط 2005، وما تلاه من عمليات اغتيال لعدة شخصيات من قادة الرأي الحر والصحافة الحرة، والهدف هو نفسه: ترسيخ سياسة الاستبداد، وإسكات أي رأيٍ آخر مخالفٍ لهذه السياسة وإخماده، مروراً بكل المراحل التي لا داعي لذكر تفاصيلها، وصولاً إلى يومنا هذا.  

وأما الاستبداد الحاصل هنا، فهو أشد بشاعةً، وأكثر وقاحةً، ولا يقيم اعتباراً لأحد، ولا يخاف شيئاً، فقد تحكّم في كافة مفاصل الدولة، لا بل حوّلها إلى أقل من مزرعة، وبات يهيمن على السلطة بكافة أجهزتها العسكرية، والأمنية، والقضائية، والتنفيذية، والتشريعية. ويتم ترهيب الناس حين ينزلون إلى الشارع مطالبين بأبسط مقومات العيش الكريم، وبالإصلاح ومحاربة الفساد.

واليوم تمارَس السياسة نفسها في وجه البطريرك الراعي الذي طالب بحياد لبنان الإيجابي، وتحييده عن الصراع الحاصل في المنطقة، وإعادته إلى موقعه الطبيعي، وإعادة علاقاته مع الدول الشقيقة والصديقة إلى سابق عهدها، بعد أن أغرقته سياسة الاستبداد في خصوماتٍ وعداواتٍ، وورّطته بدماء الأبرياء من سوريا إلى اليمن، وبات في موقع المأزوم من ناحية علاقاته مع دول العالم. 

فهل يستأهل موقف البطريرك الراعي بما يمثّله كل هذه العدائية، وكل هذا التخوين، وبثّ سموم التفرقة بين أبناء الوطن؟ مع الإشارة إلى أن موقف البطريرك هو موقف وطني بامتياز، ويتناغم مع روحية الدستور اللبناني، ويعبّر عن رأي أكثرية الشعب.

كلّا، ما هكذا تورَد الإبل. فمحاولة الوصول إلى السلطة هي أمر مشروع، ومن حق كل حزب السعي إلى ذلك. أما التسلّط، وإلغاء الآخر، والاستبداد، فهي أمورٌ مرفوضة بالمطلق. وإذا كان العدل أساس الملك، فما هكذا يكون العدل.
 
ولا يصدّقنّ أحدٌ مقولة "المستبد العادل"، "فكل مستبد ظالم". وما هكذا تُبنى الأوطان، وما كان الظلم يوماً مدخلاً لتثبيت الوجود، والبقاء في السلطة، فما يُبنى على باطل فهو باطل. ويقول الفيلسوف الفرنسي روسّو: "كل حاكمٍ يصل إلى السلطة بالقوة يبقى حاكماً بالقوة إلى أن تأتي قوة أقوى منه فتزيله بالقوة".

"فاعتبروا يا أولي الألباب".

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".