أزمة البطالة في مخيّمات اللّاجئين السوريين

22 تموز 2020 11:29:12

على مدى عقودٍ طويلة كان لبنان نموذجاً للدول المتقدمة، ومقصداً للعمالة الأجنبية. إلّا أن مسيرة النمو والازدهار بدأت في التراجع بشكلٍ خاص خلال العقد الفائت، حتى أصبح لبنان مؤخراً بؤرةً للعاطلين عن العمل من كافة الأعمار، والجنسيات، والفئات. وقد ساهم في ذلك اشتداد الأزمة السياسية، والاقتصادية، والمالية، والنقدية، ثم أتت تداعيات أزمة جائحة كورونا في مطلع عام 2020، لتزيد من وطأة المشكلة. وتشير التقديرات إلى أن ظاهرة البطالة تتجه إلى مزيدٍ من الاستفحال في المستقبل القريب، حيث تؤكد منظمة الغذاء العالمي (حزيران 2020) أن نسبة العاطلين عن العمل سترتفع في لبنان هذا العام بشكل كبير وجذري.

على أن ظاهرة فقدان الأفراد والجماعات لأعمالهم لا تنحصر فقط باللبنانيين، بل تمتد لتشمل اللاجئين السوريين، سواء الموجودون منهم في المخيّمات الخاصة باللّاجئين أو خارجها، حيث تنتشر بينهم مشكلة البطالة وتتفاقم يومياً بحدةٍ، وبوتيرة متسارعة. وقد أظهرت الدراسات التي أجراها برنامج الغذاء العالمي (حزيران 2020) أن 52% من اللاجئين السوريين العاملين خسروا وظائفهم بسبب فيروس كورونا المستجد، فيما 18% منهم خسروا نسبةً من مداخيلهم. كما أظهرت الدراسة ذاتها أنه خلال السنة الفائتة حوالي 66% من عائلات اللاجئين السوريين الذين يتمتعون بمدخول قد انخفضت نسبة مواردهم المالية: حوالي 24% منهم بسبب الأزمة الاقتصادية، و19% بسبب وباء كورونا المستجد، و42% نتيجة السببَين مجتمعين. وعليه فإن هذه النِسَب، المرجّح ارتفاعها بشكلٍ أكبر مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان، كفيلةٌ وحدها بدقّ ناقوس الخطر لما فيها من انعكاسٍ على الوضع الاجتماعي في لبنان.

 ما يزيد الأمر سوءاً في واقع الأمر، هو أن أزمة البطالة بين اللاجئين السوريين ليست الوحيدة التي تضغط على مجتمع النازحين، بل تجتمع معها العديد من العوامل التي تفاقم خطورة وضع المخيّمات، حيث أن اللّاجئين السوريين في لبنان يعانون من العنصرية، والعنف، والتمييز (تسبيح هبّال، 2019) بمختلف أنواعه اللفظي، الفعلي، والممنهج، ضمن القوانين والإجراءات المتّبعة. فمع انعدام الشعور بالانتماء والأمان، وتزايد مشاعر الاضطهاد، تأتي أزمة لبنان الاقتصادية، وجائحة كورونا لتجعل المخيّمات السورية، وكما أسماها البعض، قنبلةً موقوتةً قد تنفجر قريباً في وجه السلطة اللبنانية والمجتمع اللبناني. وإذا استمرّ تدهور الوضع على هذا النحو فقنبلة المخيّمات السورية ستكون مدويةً على كافة الصعد.

وفي هذا المجال لا بدّ من الإشارة إلى الارتباط الوثيق، والأثر الكبير لارتفاع نِسَب البطالة وانعكاسها على ارتفاع معدّل الجريمة (السرقة، والاغتصاب، ومحاولات التعدي) (فدران ريشر، 2016). ومن جهةٍ أخرى، فإن ارتفاع معدّل البطالة، وخصوصاً على المدى الطويل، يدفع إلى زيادة نسبة الانخراط في الجماعات الخارجة عن إطار الدولة، مثل المنظمات الإرهابية والعصابات الإجرامية، المنظّمة منها وغير المنظّمة (كريستفور كرايمر، 2010). وهنا تكمن إحدى جوانب خطورة الأزمة في المخيّمات، وإمكانية تطورها، والأخطر في سهولة استثمارها في ما بعد. 

إن انخفاض الخدمات الاجتماعية، وفي الكثير من الحالات انعدامها، وضعف معدل النمو، وخصوصاً ارتفاع معدّل الفقر، يساهم في شحن الجماعات والأفراد ويؤمّن لها الأرض الخصبة للانخراط في أعمال العنف والجماعات الارهابية (بيرمان،2011)؛ إلا أن ما يزيد الوضع خطورةً هو تزامن الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها لبنان مع ارتفاع معدل اللّا- مساواة بين الفئات الاجتماعية المقيمة على أرضه، حيث تعاني الفئات المهمّشة من "الحرمان النسبي" وفقاً لما أسمته ناتاشا إزرو(2017). وبالتالي فإن اتّساع الهوة بين الحاجة ومعدّل الإشباع لدى الفئة المهمّشة هو أحد الدوافع الأساسية للعنف السياسي (جور،2015).  

وبناءً عليه، فإن معاناة اللاجئين السوريين في لبنان، بدءاً من التمييز والعزلة وصولاً إلى الحرمان والفقر، تشتد حدّته مع ارتفاع معدّل البطالة، وغياب تدخّل الدولة حتى الآن، ممّا يرفع من خطورة نتائج أزمة المخيّمات إلى ما لا تُحمد عقباه.

لذلك لا بدّ من تكافل الجهود، والمسارعة باتّجاه خطوات تجنيب لبنان المأزق قبل فوات الأوان. والأهم إسراع الحكومة اللبنانية إلى وضع خطة واضحة المعالم تتضمن سياسات تدير الأزمة الحالية، وتعالج أزمة اللّاجئين السوريين، وتأثيرها على لبنان خصوصاً في ظلّ الأزمة الحالية. ومن أولى الخطوات الواجب اتخاذها ما يلي:

أولاً: إجراء مسحٍ شاملٍ لكافة مخيّمات اللاجئين السوريين لتحديد أعدادهم، ومناطق تمركزهم، ومعرفة تفاصيل أوضاعهم.

ثانياً: وضع خطة عمل تحدّد النتائج المطلوب تحقيقها بعد التدخل، وذلك قياساً لحجم الأزمة، ومدى تأثيرها على الواقع اللبناني.

ثالثاً: وضع استراتيجية ذات منهجية محدّدة تسعى إلى الدمج ما بين الخدمات الإنسانية ذات التأثير القصير المدى، والخدمات التنموية ذات التأثير المتوسط، أو طويل المدى. وذلك وفق أسسٍ علمية وواقعية تحدّد أساليب ونهج التعامل مع اللّاجئين السوريين في لبنان.

رابعاً: الحثّ على الشراكة والتعاون بين مؤسّسات الدولة من جهة، والجمعيات والمؤسّسات الدولية التي تعنى بالشق التنموي، وبشؤون اللاجئين من جهة أخرى، بما يضمن التعاون من أجل تأمين التمويل، وإقامة مشاريع وبرامج الدعم التنموية.

خامساً: تأمين الحماية لجميع أفراد اللّاجئين السوريين، من خلال تأمين صيغة قانونية تحمي اللّاجئين، وتؤمن لهم الحقوق الدنيا التي تقرّ بها التشريعات اللبنانية، وتؤكّد عليها المواثيق الدولية كافة.

سادساً: وضع وتطبيق آلية لتحديد المخاطر المجتمعية، والعمل على تمكين مجموعات متخصّصة لتأمين الحماية لأفراد اللّاجئين السوريين في المخيمات.

سابعاً: تأمين الخدمات المادية التي تسدّ الحاجات الآنية الأساسية من طعام ومسكن وغيره.

ثامناً: تضافر جهود مختلف مؤسّسات الدولة المعنيّة (وزارات الصحة، والشؤون الاجتماعية، والتربية والتعليم العالي، والعمل) وذلك بهدف توسيع وتفعيل شبكة الحماية الاجتماعية للّاجئيين السوريين.

تاسعاً: وضع سياسات تهدف إلى توسيع النشاط الاقتصادي، وتطبيقها في لبنان، وذلك بهدف استيعاب اليد العاملة السورية، على أن يترافق ذلك مع سياساتٍ تحمي اليد العاملة المحلية.

عاشراً: تعزيز الإدارة الداخلية للجمعيات الأهلية في لبنان، وبناء شبكات تواصل معها بهدف حثّها وتوجيهها بما يتناسب مع أجنداتها للتدخل في معالجة المواضيع بحسب الأولوية.

حادي عشر: حثّ الجمعيات الأهلية والدولية على تقديم الدعم، وتنفيذ المشاريع التنموية في المجتمعات المضيفة بهدف تمكينها من تحسين وضعها، وبالتالي قدرتها على معالجة تداعيات الأزمة السورية. وطلب دعم وتعاون الدول العربية والأجنبية لتحمّل جزءٍ من المسؤولية.

يبقى السؤال الأهم، وهو هل ستبادر الحكومة الحالية إلى البدء في تنفيذ هذه الخطوات لتقليص حدة أزمة مخيمات اللّاجئين السوريين؟ أم أنها سوف تنتظر حصول الكارثة؟ والسؤال الأهم هو كيف ستُقبِل الدولة اللبنانية على معالجة ثقل الأزمة على اللّاجئين، وبالتالي تفادي مأزقٍ أكبر؟ وفي حال غياب الدولة عن معالجة الأزمة، وبالتالي حصول الإنفجار، هل من حلٍّ سياسي في حينها؟ 

تبقى العبرة في التعلّم من الماضي، وعسى أن تعي الدولة حجم المخاطر التي يمكن أن يسبّبها انفجار أزمة مخيّمات اللّاجئين السوريين، وما تحمله من تداعياتٍ على الاستقرار والأمن في لبنان. 

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".