الشرق الأوسط في غرفة العناية

17 تموز 2020 08:42:49

تُذكِّر المرحلة الراهنة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بما حصل قبل مئة عام في مؤتمر «فرساي» قرب باريس وما تلاه. في هذا المؤتمر الذي أرسى نهاية الحرب العامية الأولى، تم الاتفاق على توزيع مناطق النفوذ بين الدول المنتصرة، ومنها الشرق الأوسط، حيث نجحت الدبلوماسية البريطانية في فرض وصايتها على فلسطين وشرقي الأردن والعراق، إضافة إلى وجودها جنوبي الجزيرة العربية والخليج، وأخذت فرنسا حق الانتداب على سوريا ولبنان، إضافة إلى تدعيم دورها في المغرب العربي، وراعت الدولتان المنتصرتان «مندرجات» وعد بلفور البريطاني المشؤوم، واتفاقية «سايكس بيكو» التقسيمية السرية.
تعيش المنطقة غلياناً سياسياً وفوضى أمنية، وأطماعاً بالهيمنة تتسلّل وسط ضياع دولي غير مسبوق، ويُشجع على هذا الضياع تراجع دور الأمم المتحدة كراعية للسلام الدولي، وضامنة لاستقلال الدول وسيادتها. كما يُسهم في حالة الفوضى، التغيير الهائل في سياسة الولايات المتحدة.
تبدو المنطقة العربية على وجه التحديد في غرفة العناية، كما كانت أراضي الإمبراطورية العثمانية المتداعية قبل مئة عام، ولكن للأسف، فإن هذه الغرفة تشبه المشرحة السياسية المؤلمة أكثر مما هي مكاناً لاستئصال المرض، ويمارس «أطباء السياسة» فيها شراهة منقطعة النظير في فتح الجروح وتوسيعها، من دون عاطفة ومن دون رحمة، في ظل فراغ استراتيجي عربي واسع.
ف«إسرائيل» الغاصبة تحاول نهش ما تبقى من فلسطين، وضم أراضٍ من الضفة الغربية، وإيران تعمل على الاستفادة من الساحات العربية لتوسيع مدى تأثيرها، لاستثمار هذه الأوراق السياسية الرابحة في مفاوضاتها الساخنة حول ملفها النووي وحول مصالحها الأخرى، وتركيا «الأردوغانية» تحاول استعادة الأمجاد العثمانية على حساب المساحة العربية شمالي العراق وسوريا، وفي ليبيا التي تختزن الثروات النفطية والغازية الهائلة.
وعلى الضفة الأخرى من الهياج التوسعي الإقليمي، تتموضع القوى الدولية الكبرى كل منها وفق أجندته الخاصة.
فروسيا التي بسطت حضورها على أغلبية المساحة السورية، تتعاون مع إيران وتركيا في توزيع الأدوار والنفوذ في سوريا، وتعارضهما في محاولة كل منهما توسيع نفوذه في آنٍ واحد. وإذا كان اتفاق روسيا مع تركيا واضحاً شمالي سوريا لمحاصرة المعارضين للنظام، أو لتقويض قوات «قسد» التي تحظى بالرعاية الأمريكية، فإنها تقف سداً منيعاً ضد السياسة التوسعية «الأردوغانية» في ليبيا، وتساند قوات الشرعية البرلمانية بقيادة المشير خليفة حفتر.
أما الولايات المتحدة التي تعيش أياماً صعبة على وقع تأثير جائحة كورونا، وفي خضمّ سباق انتخابي محموم، فقد تراجعت إلى المربعات الخلفية في تموضعها «الشرق أوسطي»، وتسير بين الألغام السياسية التي وضعها حلفاؤها وخصومها على السواء، وإذا كانت لا تريد الصدام العسكري مع الخصوم في العراق وسوريا ولبنان، فإنها لن تُسلِّم لهؤلاء بالسيطرة الكاملة على المشرق العربي، وتستخدم العقوبات الاقتصادية القاسية لتعطيل مشاريع إيران وحلفائها، ولإحباط الخطط الروسية في إعادة إعمار سوريا.
أما في ليبيا فواشنطن تحاول التموضع في الوسط بين قوات حفتر المدعومة من روسيا والجامعة العربية، وبين قوات فايز السراج المدعومة من تركيا، مراهنة على استنزاف الفريقين، لعدم رغبتها في انتصار أي منهما على الآخر. يبقى الاتحاد الأوروبي المعني الأول بما يدور في المنطقة، فهو من جهة متهم بالتخاذل من أحزاب أوروبية فاعلة؛ لأن دور دوله القوية خاصة فرنسا وإيطاليا وألمانيا تراجع إلى الحدود الدنيا شمالي إفريقيا والشرق الأوسط، وتمدد النفوذ التركي والإيراني شرقي المتوسط وليبيا يأتي على حساب التأثير الأوروبي ويتعارض مع مصالح دول الاتحاد التي تعتبر أن استقرار القارة الأوروبية يرتكز بالدرجة الأولى على استقرار الشرق الأوسط، وفقاً لرؤية المركز الأوروبي للدراسات.
الأطماع الإقليمية في المنطقة العربية واضحة، ولكن ليس بالضرورة أن يُكتب لخططها النجاح، فمقومات القوة العربية ما زالت قائمة، ولحظة الفوضى السياسية والأمنية التي تستغلها الدول الطامعة لا تبدو أنها طويلة الأمد.