مصر آخر خط دفاع عربي بين الحصار والنار.. والسيسي: سندخل ليبيا

16 تموز 2020 23:57:00 - آخر تحديث: 04 أيلول 2020 14:50:57

بعد سقوط العراق والقضاء على جيشه وقوته العسكرية، كرّت سبحة انهيار مراكز القوة العربية، خاصة تلك التي تُشكّل خطراً محتملاً على إسرائيل. فتم القضاء على نظام معمر القذافي، ثم أُدخلت سوريا في آتون الحرب الداخلية لإنهاك جيشها، وتم إشغال الجيش السعودي والإمارات في صراع الإخوة في اليمن، ولم يبقَ سوى مصر كقوة عسكرية يرتكز عليها آخر خط دفاع عربي .

بدايةً وتحت مُسمّى الربيع العربي، حاولت القوى الخارجية إغراق مصر في متاهة الصراع الداخلي، فتم دعم جماعة الإخوان المسلمين مادياً وإعلامياً حتى وصلوا إلى الحكم، وكان المطلوب أن تُشكّل مصر قاعدة للتطرّف الإسلامي، الذي يؤجج الصراعات المذهبية داخل الدول العربية، ويُلصق سِمة الإرهاب والتطرف بالعرب .

نجحت مصر بوحدة جيشها وحكمة الرئيس عبد الفتاح السيسي بالتخلص من هذا الكابوس المزعج، ولم تنجح عسكرياً فقط، بل نجحت سياسياً، في بناء علاقات متوازنة مع الشرق والغرب، من روسيا إلى أوروبا وأمريكا والصين وأشقائها العرب. وكذلك نجحت اقتصاديا، خاصة مع ما شكّله تحريُر سعر صرف الدولار من خطر كان يُنذر بانهيار مالي، لكن عامل الثقة الشعبي بالدولة ورئيسها، وإطلاق المشاريع الاقتصادية في التنمية الزراعية والتحديث الصناعي والبُنى التحتية، إضافة إلى دعم بعض الدول العربية كالسعودية والإمارات، كان كل ذلك كفيلاً بتأمين اجتياز المرحلة بنجاح .

ضرب الإرهاب مصر، بدءاً من التخريب في سيناء، إلى تنفيذ العمليات ضد السواح الأجانب وضرب هذا القطاع الحيوي، وصولاً إلى خلق فِتن طائفية باستهداف الأقباط. لكن الجيش وقوات الأمن نجحت في أحباط مخططات الإرهابيين وداعميهم مرة أُخرى .

يتم البحث الآن عن محاصرة مصر بأمنها العسكري عبر ليبيا غرباً، وأمنها المائي والغذائي الذي لا يقل أهمية عن الأمن العسكري، عبر سد النهضة العملاق الأثيوبي على النيل الأزرق .

تُقدّر ثروة ليبيا النفطية ب 46،4 مليار برميل من النفط، إضافة إلى كميات هائلة من الغاز، وتحتل المرتبة التاسعة عالمياً في احتياطات النفط. أما ميزتها الفُضلى فهي سهولة استخراج النفط، حيث تبلغ كلفة استخراج البرميل دولاراً واحداً، ثم قربها من سوق الاستهلاك الرئيسي في القارة الأوروبية .

بحسب صحيفة الغارديان البريطانية فإن مساعد الرئيس دونالد ترامب سيباستيان غوركا رسم خريطة لتقسيم ليبيا، اعتمد فيها على التقسيم العثماني القديم. وهي طرابلس في الغرب، وبرقة في الشرق، وفزان في الجنوب .

وهل هناك من دولة أفضل من تركيا لتنفيذ هذا المخطط؟

رفع خليفة حفتر شعار توحيد ليبيا، ولقي دعماً من روسيا ومصر وفرنسا والسعودية والإمارات، وبعد وصوله إلى مشارف العاصمة طرابلس، دخلت تركيا مباشرة على الخط، وتُشير المعلومات إلى وجود حوالي عشرة آلاف مقاتل من المرتزقة الذين يقاتلون الآن بدعم من الجيش التركي. وظهرت اليوم حشود متجهة إلى الشرق، بهدف السيطرة على خط سرت الجفرة الأستراتيجي، لأهميته النفطية والعسكرية، خاصة مع وجود قاعدة الجفرة الجوية .

أعلن الرئيس السيسي خلال المناورات المصرية الأخيرة «حسم 2020»، أنه لن يسمح للمرتزقة والإرهابيين الأصوليين المنتشرين في ليبيا بتهديد الأمن المصري، وحدد سرت الجفرة خطاً أحمر أمام قوات حكومة الوفاق المدعومة من تركيا، وشدد على ضرورة الحوار بين الأطراف الليبية، وأهمية الحفاظ على وحدة البلاد. ومن جهة ثانية دعا البرلمان الليبي ورؤساء القبائل مصر للتدخل عسكرياً، ومساعدة الجيش الوطني لاستعادة وحدة واستقلال البلاد، وطرد المرتزقة والإرهابيين .

لا ترغب مصر بالتورط في صراع عسكري في ليبيا، فيما يسعى البعض طبعاً إلى إشغالها ومحاصرتها غرباً، محاولاً اتهامها بالقصف الجوي الأخير الذي تعرضت له طرابلس وقاعدة الوطية التي تحتوي على معدات عسكرية تركية. ورغم صعوبة الخيارات، لكن بات واضحاً أن الرئيس السيسي أخذ قراراً بمنع تهديد أمن مصر، حتى ولو تطلب ذلك تدخلاً عسكرياً، مما بات يرفع من احتمالات مواجهة مباشرة عربية تركية في ليبيا .

شدد الرئيس السيسي أثناء لقائه اليوم مع مشايخ القبائل الليبية، على أهمية الدفاع عن ليبيا، وأن مصر لن تترك الأشقاء الليبين وحدهم رافضاً التدخلات الأجنبية فيها، مذكّراً بثورة عمر المختار لما لهذا التذكير من رمزية قومية عروبية. وقال صراحة سندخل ليبيا بطلب من الأخوة الليبين ونخرج بأمر منهم، حاسماً القرار بأن مصر لن تسمح لقوات المنطقة الغربية التي توظّفها قوى خارجية بتجاوز الخط الأحمر الذي حدده، في ليبيا مذكّراً أن مصر لديها القدرة العسكرية الكاملة على حسم الأمر سريعاً .

ليس بعيداً عن هذا الموضوع، جاء الإعلان عن بدء أثيوبيا بملء سد النهضة العملاق. وكانت العلاقات الأثيوبية المصرية قد ساءت منذ محاولة اغتيال الرئيس السابق حسني مبارك في أديس ابابا عام 1995. ومعروف أيضاً أنه منذ ذاك التاريخ، بدأت أثيوبيا بقيادة دول منبع النيل في مواجهة مصر والسودان، وعززت قواتها المسلحة بالتعاون مع اسرائيل، التي نشرت تفاصيل برنامج تطوير خماسي للجيش الأثيوبي .

تلتقي الأنهر الثلاث للنيل (6685 كلم) في السودان، وهي النيل الأزرق، ونهر عطبرة من أثيوبيا، والنيل الأبيض الذي ينبع من بحيرة فيكتوريا على حدود أوغندا، وتعتمد مصر بنسبة 97? من إنتاجها المائي على النيل، بحصة تصل إلى 55،5 مليار متر مكعب، فيما تبلغ مياه النيل الأزرق 49،7 مليار برميل سنوياً و29،9 مليار برميل مياه النيل الأبيض .

عام 1997 أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية حول استعمال الأنهار الدولية لغير الملاحة، وأهم ما في هذه الاتفاقية، هي المادة الخامسة التي تنص على توزيع منصف وعادل لمياه الأنهر بين الدول المتشاطئة، إضافة إلى المادة السابعة التي تمنع احداث ضرر كبير خاصة لدول المصب .

عام 2015 وافق الرئيس السيسي اثناء اللقاء مع رئيسي إثيوبيا والسودان على إقامة سد النهضة، انطلاقاً من مبدأ العدالة واعتبار مصر الشقيق الأكبر للدول الأفريقية. لكن أثيوبيا زادت حجم السد الذي كان مخططه الأولي بارتفاع 8 أمتار، ليصل ارتفاعه الحالي إلى 145م وطول 1800 م وسعة 74مليار متر مكعب، وتخطط ايضاً لأنشاء ثلاثة سدود أُخرى بسعة 200 مليار متر مكعب هي «كارادوبي و«بيكو ابو» و«مناديا» بهدف أن تُصبح دولة مصدّرة للكهرباء .

المشكلة الأكبر هي مدة ملء السد العملاق، التي تريدها أثيوبيا أربع سنوات، وفي هذه الحالة ستحرم مصر من 34? من حصتها السنوية من مياه النيل، ما سيسبب جفاف حوالي 3800 فدان من الأراضي الزراعية سنوياً. وفيما تطالب مصر ان تكون المدة عشر سنوات كي لا يسبب ملء السد ضرراً كبيراً مخالفاً للقانون والاتفاقات الدولية، كما أن مصر ستكون عاجزة عن تحمّله، وستجد نفسها مجبرة على اتخاذ كافة الخيارات المتاحة لمنع وقوعه، بما فيها الخيار العسكري .

إضافة إلى أضرار الجفاف، هناك أخطار أُخرى لمشاريع السدود الأثيوبية على مصر والسودان أهمها: خطر حدوث فياضانات في حال فتح بوابات السد أو في حال انهياره. كما أنه بالرغم من أن أثيوبية تعتمد في الزراع على مياه الأمطار الموسمية في الصيف. لكن مصر تخشى من مد أثيوبية لأقنية الري، مما يعني أن تلك الكميات سيعاد تعويضها في السد سنوياً، وهذا سيسبب جفافاً وانقطاعاً دائماً للمياه في مصر. كما أنه وبعد أن تعطّل مشروع «قناة السلام» لجر المياه العذبة من تركيا إلى إسرائيل، يُخشى أن يتم استبدالها بقناة من أثيوبيا التي تحاول التحوّل إلى بنك للمياه في المنطقة.

بالمحصلة إنها عملية محاصرة لمصر، بالنار وخطر الأصولية والمرتزقة غرباً، والإرهاب في سيناء والداخل، وأمنها المائي والغذائي جنوباً. ويبقى الرهان على قدرة الجيش المصري، والوعي الشعبي في التضامن والإلتفاف حول قيادة الرئيس السيسي والمصلحة العليا للبلاد. وكذلك الدور العربي لما بقي من دول فاعلة وقادرة على دعم مصر، كأخر خط دفاع عربي لحماية مصالح الأمة .