السبب والمسبّب

15 تموز 2020 17:00:00 - آخر تحديث: 15 تموز 2020 20:08:37

ربما كنا على شفير الانهيار منذ سنة، وربما زادت الأحداث التي توالت على وطنِنا من سرعة الانهيار. ولا شك أن المنظومة السياسية كان لها دوراً كبيراً في ما آلت إليه الأوضاع. ولكن ما هو السبب الجوهري لسقوط وطن التلاقي في بؤرة انغلاقٍ تام عن العالم الخارجي؟ وما هو سبب استهتار الدول بمصير لُبنان والشعب اللُبناني، وهي الدول نفسها التي لطالما كان لبنان وجهتها في فصل الصيف! ومهما كانت الخلافات تتصاعد إقليمياً كانت جميع الدول تتفق على رأيٍ واحد: "لبنان بلد التلاقي". 

ما هو السبب الجوهري الذي حوّل لبنان من صلة وصل الشرق بالغرب إلى سدٍ منيعٍ أمام الانفتاح والتحضّر! أما الحرب الأهلية التي دمّرت الوطن شعباً ودولة، والجميع يتفق على أنها كانت حرب الآخرين على أرضنا آنذاك، ولم يخرج أحدٌ منها منتصراً، فقد عملت الدولة الشقيقة، جغرافياً، على تشويه الجسد اللُبناني. الهدف الأساسي كان، وما زال، حرمان لبنان من سيادتِه، وإسكات كل رأيٍ حرٍ يهوى العدالة، ويرى في هذا الوطن دولةً مدنيةً علمانية خارجةً عن لعبة الأمم أو الدّين! 

واليوم نحن في حرب. حرب الآخرين مرةً أخرى، ونساعد مجرماً فضّل موت نصف شعبه على أن يعطيهم القليل من الحرية! نساعد مجرماً فضّل أن تحتل بلاده كل القوى المتناحرة على أن يعطي لشعبِه ما يريد. والمشكلة في المضمون بيننا نحن اللُبنانيين، وبين النظام الحاقد. 

كيف لنا أن نكون معه، ولم يكن خيّراً لشعبه! كيف يمكن أن نصدّق أنهم أصحاب حق، وكانوا في بلادِنا يظلمون من كانوا "أوصياء" عليه... 

مَن السبب والمسبّب! وكيف لشعب لبنان أن يكون موالياً لمن منعه من تحقيق كل ما طالب به، منذ أكثر من 30 عاماً عندما كانت الثورة بالدم، في انتفاضة 17 تشرين "السلمية"! كيف لشعب لبنان العظيم أن ينسى ويسامح من يرى فينا دولة بلا سيادة، وعملَ جاهداً على تحويلنا من بلدٍ عظيم إلى محافظةٍ يحكُمها من دمشق في وقت قيلولة الفخامة في بلادِنا؟! 
كيف لمن يدّعون أنهم أرباب التغيير أن لا يشعروا أنهم بحاجةٍ ماسةٍ إلى التظاهر من أجل النأي بلبنان عن الصراعات الخارجية؟! 

كيف لمَن يدّعون أنهم يريدون العيش الكريم، والعدالة، والمحاسبة، أن لا يثوروا على الحكومة والنظام السوري في لبنان، بعدما كان لهم الشرف بإرسال طحينِنا وأموالِنا إلى مَن يرى نفسه منتصراً بعدما قتل شعبه، وباع أرضه في سبيل بقائه! 

عذراً يا سادة، قد تكون جميع الطبقة السياسية السابقة فاسدة، ولكن هناك سببٌ ومسبّب، ولن يجد السبب إلّا من يريد حقاً أن يجده، من منعِ بناء دولةٍ خارج النطاق الطائفي، والذي لم يشأ يوماً أن ينتهي الصراع. لم يتوقّع أننا سوف نخرجه ذليلاً من وطنِنا، وكان يقف بوجه كل محاولةٍ لتغيير النظام الطائفي. و"ساحات الثورة" دليلٌ على أنه هناك من يرى العنف وسيلةً للحكم، وحقاً نجح. وها هو مجدداً يمنع لُبنان من الخروج إلى المستنقع الجديد خوفاً أن تكون المياه هناك أقل تلوثاً من ممانعةٍ هزيلة لم تنجح بشيء غير إغراق الشرق الأوسط بنار الطائفية، واستعمال العرب وقوداً لازدهار الدولة الصهيونية! 

كل ما تبقى من كلام لا يزيد عن الشعارات بشيء! بل يثبت لكل من لديه عيون للرؤية، وليس فقط للنظر، أننا في دمارٍ ممنهج، وسبب دمارنا ليس زوال اسرائيل كما تقول لنا الشاشة الكبيرة، بل على الأرجح زوالَنا وبقاء إسرائيل مزدهرة! 
إن كان للمنطق مكان فجملةٌ واحدة قد تختصر كل ما قيل: "السلاح صناعة الغرب، والموتى مسلمون".

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".