كيف وصل لبنان إلى هذا الوضع.. وماذا عن المستقبل؟

15 تموز 2020 17:06:34

في كواليس النخب الذين عايشوا مراحل متعددة من تاريخ لبنان، أحاديث طويلة عن الوضع المعقد وأسبابه، وعن المحطات التي حصلت في الماضي، لاسيما التي تتعلق بالخصوصية اللبنانية ضمن الإطار العربي الواسع، كما عن سياسة استيعاب الطفرة المالية العربية الناتجة عن فائض العائدات النفطية في الخمسينيات.

يستذكر هؤلاء كيف صرخ جمال عبدالناصر في وجه مسؤول الأمن في دولة الوحدة عبدالحميد السراج في دمشق، وبحضور الزعيم الراحل كمال جنبلاط (مذكرات سامي شرف) قائلا: ارفعوا أيديكم عن لبنان، وأنا سألتقي بالرئيس فؤاد شهاب في الخيمة على الحدود بين لبنان وسورية (25 مارس 1959) كي لا يقال ان لبنان تابع لدولة الوحدة، فالحفاظ على خصوصية لبنان مصلحة عربية.

وتتابع هذه النخب القيادية المخضرمة: عندما سمعنا عظة البطريرك الراعي الذي طالب بفك أسر الدولة، مرددا ذات الجملة التي قالها عبد الناصر عن خصوصية لبنان وقوته الناتجة عن حياده - باستثناء كونه شريكا في مواجهة إسرائيل - عادت بنا الذاكرة إلى الفكرة الشمعونية الاقتصادية المبدعة في توفير بنية مصرفية وسياحية وزراعية في لبنان، قادرة على الاستفادة من الودائع المالية ومن الاستثمارات العربية، وقد أيد زعماء لبنان الرئيس كميل شمعون في هذه الفكرة، برغم الخلاف السياسي الكبير معه في ذلك الحين، بهدف توفير فائدة للشعب اللبناني من البحبوحة العربية.

ويتمدد النقاش الى التشخيص السياسي للأزمة الراهنة التي يعيشها لبنان، وهي من شقين متلازمين: الأول مالي واقتصادي، والثاني سياسي وسيادي.
وفي الاثنين تقع المسؤولية على إدارة الدولة، ومن المعروف أنها تخضع منذ 6 سنوات لجهتين متحالفتين، أحدهما التيار الوطني الحر، وثانيهما حزب الله، ويدور في فلكهما مجموعة من الشخصيات والقوى تحت شعار«وحدة صف الممانعة» وقد فضل كل من الفريقين مصالحهم الشخصية والحزبية على مصالح الدولة العليا، وقضوا على أي هامش حيادي للبنان، وتركوه يعيش بعزلة عن الشرعيتين العربية والدولية، وخسر أهم مصادر العون المالي والاقتصادي.

وكان على التيار والحزب التعايش مع واقع التقاسم الميثاقي للسلطة في لبنان ويتركوا مساحة لتحرك شركائهم الآخرين في الوطن، على قاعدة «المناصفة السيادية» على أقل تقدير، لكن ذلك لم يحصل، وأعتمد الحليفان على قاعدة: لا يمكن أن يحصل شيء إلا كما نريد، حتى لو كان ثمن ذلك تعطيل الدولة، وهذا التعطيل سبب خسائر لا تحصى على البلاد.

واستكمالا لهذه المسؤولية، يرى هؤلاء المخضرمون: أن أسوأ أنواع المستشارين أحاطوا بمقام الرئاسة، خصوصا في المجال المالي والدستوري، وهؤلاء مع أصدقائهم من الأقرباء، ورطوا موقع الرئاسة في مطبات هالكة، أدت الى إعلان إفلاس لبنان لأول مرة في تاريخه، ويقول الخبراء ان إعلان الإفلاس كان لدوافع سياسية وكيدية وليس لأسباب مالية موضوعية. والجنوح والغرور والاستغلال أوقعهم في هدر كبير جراء الفشل في معالجة ملفي الكهرباء والتهريب.

وقد وضعوا الرئاسة في مواجهة مع غالبية اللبنانيين، كما مع مجلس القضاء الأعلى ومع البرلمان، من خلال العبث بالإجماع الذي حصل على التشكيلات القضائية، وبالطعن بقانون آلية التعيينات في الفئة الأولى، والقانون وافق عليه أكثر من ثلثي أعضاء مجلس النواب وهي النسبة التي تسمح بتعديل الدستور بذاته.

المرجعيات اللبنانية تتحدث عن الحاجة لتنظيم توليفة ميثاقية جديدة تمنع أي شكل من أشكال الاستفراد القائم منذ 6 سنوات، وتفرض احترام مصالح الشعب اللبناني المعيشية والمالية، وتمنع أخذ لبنان الى خيارات محورية خانقة. وستتم الاستعانة بكل الجهود لتطبيق هذه المعادلة، لأنها الخيار الوحيد الذي يحظى بشبه إجماع لبناني، وهي السبيل الأوحد لإنقاذ لبنان من الفقر والانهيار، ولتحريره من الراديكاليات الشخصية والحزبية المقززة التي تسيء اليه.