العوامل التي سهلت تشكيل الحكومة

رشيد حسن |

يمثل تشكيل الحكومة اللبنانية بعد أشهر طويلة من الجدل  البيزنطي تطورا مرحبا به خصوصا لجهة اسهامه في استعادة الثقة بالبلد وتركيز الإنتباه على الملف الاقتصادي والمالي بما في ذلك تسهيل الحصول  على نحو 9 مليارات دولار  قدمتها الجهات المانحة التي شاركت في مؤتمر "سيدر" على شكل قروض سهلة طويلة الأجل   مخصصة لمعالجة مشكلة الكهرباء وتطوير النقل والبنى التحتية.  والمهم هو أن تمويلات "سيدر" مشروطة بتحقيق إصلاحات مالية وهيكلية، مما يعني أنها قد تكون عاملا ضاغطا لوقف العبث وتسريع إجراءات الإصلاح.  
لكن السؤال الذي يطرح هو لماذا صدرت كلمة السر الان وافرج عن الحكومة العتيدة بعد أن كان الانطباع انها مؤجلة إلى أجل غير مسمى؟ وما الذي استجد من معطيات؟ 
للجواب على ذلك يجب التركيز على عاملين أساسيين أولهما يتعلق بمراجعة حزب الله لحساباته في ضوء اتضاح خطورة استمرار الفراغ وتردي الوضع الاقتصادي على قاعدته الاجتماعية. أما الثاني فيتعلق بالوضع السوري الذي شهد توطيد نظام  الرئيس الأسد لحكمه بمساعدة حلفائه ثم شهد مؤخرا انفتاحا من دول الخليج وعلى رأسها السعودية على  النظام في دمشق عبر فتح السفارات وربما عبر اتصالات سرية، وهذا التبديل في موقف دول الخليج  يستند ربما إلى الاقتناع بانه يعزز قدرة هذه الدول على التأثير في سياسات دمشق وبالتالي موازنة التأثير الكبير لإيران.. 
في ما يتعلق بحزب الله فإن الحزب تلقى ربما نصحا بأن الإصرار على شل البلد قد يؤدي إلى انهيار يصيب في الصميم  قواعده الشعبية
التي تضم  فئات واسعة من أصحاب الأعمال والمصالح المالية لكن كذلك مئات الألوف من ذوي المداخيل المحدودة والفقراء. 
ولا ننسى أن الحصار الشديد الذي تتعرض له إيران اثر كثيرا على موارد حزب الله، كما أن عددا كبيرا من رجال الأعمال الموالين للحزب  لا يستطيعون العمل خارج لبنان لانهم مشمولون بإجراءات الحظر الأميركية أو الدولية أو الخليجية أو العربية أو الأفريقية أو يخافون على أموالهم من أن تقع في قبضة واشنطن، لذلك فإن لبنان هو ربما السوق المالية الوحيدة المتاحة لهم وبات يهمهم بالتالي الحفاظ عليها وعدم المساهمة بانهيارها. 
بالنسبة لسوريا فإن المأزق الحكومي الذي صنعه حزب الله ضمن حسابات الصراع الإيراني الاميركي،  اعطاها فرصة للعودة مباشرة إلى بازار تشكيل الحكومات اللبنانية،  ربما ضمن تفاهم مع دول الخليج على مرحلة الإعمار المقبلة وبتشجيع من الروس الذين يتجهون إلى الحد من نفوذ إيران في سوريا ويهمهم أيضا ان يرفعوا ضغطها عن الحياة السياسية في لبنان لصالح دمشق. 
على سبيل الاستنتاج نقول إن ولادة الحكومة هي مثل كل امر سياسي في لبنان بنت الظروف  وتغير الحظوظ ورياح المواسم، ولأن لهذه الحكومة -وسط الصراعات الإقليمية التي تعصف بنا- اكثر من أب فإنها بنتيجة الامر  ليست مثالية.. مع ذلك  سيكون ممكنا التغاضي عن تشوهاتها الخلقية أن تمكن  الفريق الحكومي (بمعجزة ما) من تجاوز   الاحتكاكات والمماحكات وشبق المال لتحقيق هدف واحد أوحد هو  إنقاذ البلد من حافة الهاوية التي ينزلق نحوها بسرعة.ؤ