هل الخصخصة نموذج يُحتذى به من وجهة نظر علمية؟

جاد بحمد |

مع إعادة طرح الخصخصة كنموذج متجدد يُدفع به اليوم على نحو يتم تعميمه على مؤسسات الدولة، يتساءل الجميع عن أفق هذا التجاذب بين مؤيد ومعارض، والنتيجة التي سيفضي إليها اعتماد أحد هذه النماذج، وعلى وجه التحديد، بين دور الدولة كحاضن للقيام بهذه الخدمة، أو بين تخصيص المؤسسات (أي تسليمها للقطاع الخاص) حتى تقوم هي بالخدمة.
   
وإنطلاقاً من هنا، يستمد مؤيّدو النهج الذي يقوم على الخصخصة على نوعية الخدمة التي ستقدم للمواطن، بينما يؤكد معارضو هذا النهج على واجب الدولة للقيام بهذا الدور كحاضن اجتماعي للجميع. وإذا ما أردنا الغوص قليلاً في ما وراء المنطق المطروح من الطرفين، تبرر الخصخصة على وقع "سوء الخدمة" المقدمة من الدولة بينما من يعارض هذا النهج يقول بعدم تسليم هذه المؤسسات  "للرأسمالية الجشعة". وهذا يقودنا إلى الاستنتاج التالي: بين من يؤيد الخصخصة نتيجة نوعية الخدمة المقدمة، والمعارضين نتيجة كلفة الخدمة التي سيتكبدها المواطن مقابل هذه الخدمة والتي ستصب في مصلحة الرأسماليين المقدمين لهذه الخدمة بهدف الربح الذي يبتغونه.  

 وبما أن الأسلوب العلمي يبقى الحكم بين الخيارين، نطرح اليوم نموذجاً يقوم على الخصخصة ونموذجاً آخر يقوم على دور الدولة كحاضن للجميع، للاستنتاج والحكم الذي لا يقوم على الأراء المتاخصمة فقط، بل على نموذج نتعايش معه كمواطنين في كل يوم تقريباً وهو قطاع التعليم.

في لبنان يقوم قطاع التعليم على ثلاثة أعمدة أساسية، نموذج المدرسة الرسمية، نموذج المدارس نصف المجانية والمدارس الخاصة .
فبين هذه النماذج الثلاثة، تلعب المؤسسة الرسمية في لبنان دور الحاضن للجميع، بينما تشكل المدارس نصف المجانية الممولة جزئياً من الدولة، أحد أشكال الخصخصة، وأخيراً تلعب المدارس الخاصة دور القطاع الخاص الذي ليس له أي علاقة بالدولة.

وإذا ما أردنا اليوم أن نقيّم المقابل المادي الذي تتقاضاه المؤسسات الثلاث مقابل الخدمة التعليمية المقدمة للمواطن اللبناني، نستطيع حكماً القول إن المؤسسة الرسمية تبقى الأفضل بين النماذج المطروحة أعلاه. وهذا ما يعنى به "دور الدولة الحاضن" الذي ينادي به مؤيدو دور الدولة مقابل مؤيدي القطاع الخاص.  

 أما عن نوعية الخدمة بين المؤسسات الثلاث أعلاه، فهناك رأي عام قوامه أن المؤسسة الخاصة غالباً ما تقدم خدمة أفضل من تلك المقدمة في المؤسسة الرسمية، ولكن إلى أي حد؟ وللإجابة عن هذا التساؤل بشكل علمي، نستطيع الركون إلى نتائج الامتحانات الرسمية لتقييم الفرق في الأداء. 

فبحسب وزارة التربية والتعليم العالي، حقق القطاع الرسمي نسبة نجاح 73% عام 2017 مقابل 88% للقطاع الخاص في الشهادة المتوسطة. أما عن شهادة الثانوية العامة، فقد حقق القطاع الرسمي نسبة نجاح 78% عام 2017 مقابل 86% للقطاع الخاص.

أما عن مؤشرات أخرى، فلقد ذكر المركز التربوي للبحوث والإنماء في دراسة حديثة معنونة  "المدرسة في لبنان : أرقام ومؤشرات" والتي تضمنت جداول وإحصاءات دقيقة ومفصلة ومؤشرات حول واقع التعليم أشارت إلى عدة نقاط أهمها :

  ـ  يتمتع التلامذة بفرص أفضل لإنهاء المدرسة الابتدائية ضمن القطاع الرسمي منه في القطاع الخاص. ويبدو أن هذا الأخير يستغني عن تلامذة يعود القطاع الرسمي ليستقبلهم.

 ـ  بالنسبة إلى المرحلة الثانوية، يتمتع التلامذة بفرص أفضل بقليل في القطاع الرسمي منه في القطاع الخاص لبلوغ الصف الثالث ثانوي.

ـ  ترتفع نسب النجاح في الشهادتين المتوسطة والثانويّة، وتسجل ارتفاعاً ملحوظاً لنسب النجاح في القطاع الرسمي تفوق الارتفاع في القطاع الخاص. 

في علم الاستثمار، غالباً ما يتطلع المستثمر إلى أصل رأس المال المستثمر قبل أن يتطلع إلى الربح المجنى من الشركة التي ينوي الاستثمار فيها. مثالاً على هذا، إذا كان هناك مؤسسة تنتج أرباحاً بقيمة 15,000 دولار مقابل رأس مال مستثمر بقيمة 5,000 دولار، ومؤسسة أخرى تنتج أرباحاً بقيمة 20,000 دولار مقابل مبلغ مستثمر قيمته 10,000 دولار، غالباً ما يتجه المستثمر إلى المؤسسة الأولى نتيجة فعالية الإدارة وقدرتها على الاستثمار بشكل أفضل وفعالية أكبر، آخذين في الاعتبار مستقبل كل من الشركتين. 

وإذا ما أردنا أن نقيّم النتائج أعلاه نسبة إلى قيمة الاستثمار في القطاع الرسمي مقارنة بالقطاع الخاص، لرأينا أن القطاع الرسمي يتفوق على القطاع الخاص بناء على المقاربة أعلاه. وإذا ما أردنا التدقيق أكثر، لوجدنا أن الدولة تستثمر في القطاع الخاص من خلال المنح المدرسية المقدمة لهذا القطاع لأبناء الموظفين والأمنيين بقيمة مرتفعة. وإذا أضفنا إلى ما تقدم الأموال المقدمة للمدارس نصف المجانية وتلك من وزارة الشؤون الاجتماعية، لظهر لنا أن الاهتمام الرسمي في القطاع الخاص يفوق ذلك الذي في القطاع الرسمي!  

بناء على كل ما تقدم، ما رأيكم في الخصخصة؟ وماذا لو أقدمت الدولة على الالتفات إلى القطاع الرسمي بدل خصخصته؟ وهل الهدف هو تحسين الخدمة أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟ وما مدى صحة عجز الدولة عن تقديم الخدمة النوعية لمواطنيها؟ وهل الليبرالية الحديثة هي الحل الوحيد؟ ماذا عن مشاكل البطالة والأزمات المالية ومنها في الدول الرائدة في دعم القطاع الخاص واعتماد الليبرالية المطلقة كنموذج ومنها فرنسا وبريطانيا؟

بين النظرية والتطبيق، المثال أعلاه يقدم نظرة علمية بحتة بين من يريد من الدولة أن تلعب دور الحاضن وبين من يريد أن يذهب إلى الخصخصة. في لبنان، يموت المواطن على أبواب بعض المستشفيات الخاصة ويقوم المواطن بإحراق نفسه أمام إحدى المدارس الخاصة، فكيف الحال إذا ما خصصت كافة القطاعات، هل سنحرق أنفسنا أمام من كان عليه أن يلعب دور الحاضن. وبدلاً من أن يكون طرح الخصخصة كحل، لماذا لا تناقش تحويل المساعدات التي تقدم إلى القطاعات الخاصة ومنها المؤسسات التربوية والاستشفائية إلى القطاع العام بغية تطويره واحتضان المواطن اللبناني إلى أي طائفة ومنطقة انتمى؟ سؤال برسم جميع من يعنيهم الأمر.