ماذا خلف اتفاقية التعاون العسكرية السورية – الإيرانية؟

10 تموز 2020 05:45:00 - آخر تحديث: 10 تموز 2020 11:57:07

 وقّع النظام السوري ما وصفه باتفاقية التعاون العسكري الشامل مع إيران، دون أن يكشف الكثير من تفاصيل تلك الاتفاقية، فيما بدا أنها ردٌ من طهران على الضغوط السياسية والعسكرية التي تتعرض لها لسحب قواتها والميليشيات الموالية لها من سوريا. واعتبر العديد من الخبراء والمتابعين إن الاتفاقية "هروب إلى الأمام"، ولا تعدو كونها فقاعةً إعلامية تضمّنت عدداً من الرسائل، أهمها إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، "أن الأسد هو حليفٌ أساسي لإيران، ولا تعنيه انتقادات الصحف الروسية. وأن إيران لن تخرج من سوريا، لا بل سوف تتوغل أكثر فأكثر في الأجهزة الأمنية والعسكرية السورية، كما توغلت في الجغرافيا السورية. وستتولى طهران تقوية أنظمة الدفاع الجوي في سوريا، ولن تسمح ببقاء الجو السوري مستباحاً للطائرات الإسرائيلية". هذا في الوقت الذي تتلقى فيه المواقع العسكرية الإيرانية ضرباتٍ جويةٍ إسرائيلية شبه يومية تحت أعين القوات الروسية التي تتولى إدارة وتوجيه أنظمة الدفاع الجوي.

وكانت وكالة "فارس" الرسمية الإيرانية قالت إن رئيس الأركان الإيراني، اللواء محمد باقري، ووزير دفاع النظام السوري، العماد علي أيوب، "وقّعا اتفاقية شملت التعاون العسكري والأمني بين النظامين". فيما نقلت "الوطن" السورية، الموالية للأسد، عن رئيس الأركان الإيراني قوله إن، "النظام الإيراني سيقوم بدعم وتقوية أنظمة الدفاع الجوي في سوريا".

وفيما عبّر الأسد، خلال لقائه باقري وأيوب، عن ارتياحه لتوقيع اتفاقية التعاون التي اعتبرها "تجسيداً لمستوى العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، وتعاونهما في مكافحة الإرهاب"، قال باقري إن "إيران تولي أهمية لتعزيز علاقات البلدين بمختلف المجالات وحمايتهما من محاولات التدخل بشؤونهما واستقلالهما"، مشدداً على أن الاتفاق، "سيعزز إرادتنا (…) لمواجهة الضغوط الأميركية".

ويأتي الاتفاق في وقتٍ تزداد فيه الضغوط الأميركية على سوريا وإيران مع تشديد حدّة العقوبات الاقتصادية عليهما، لا سيّما على سوريا، بعد دخول "قانون قيصر" حيّز التنفيذ الشهر الماضي، والذي ينصّ على إجراءات تعدُّ الأكثر قسوة على سوريا حتى الآن، حيث يطال كل شخصٍ أجنبي يتعامل مع دمشق، بما في ذلك الكيانات الروسية والإيرانية العاملة في سوريا، ويشمل أيضاً مجالات عدة من البناء إلى النفط، والغاز، والقطاع العسكري. 

ويستهدف القانون إجبار النظام السوري على تعديل سياساته، والقبول بالجلوس إلى طاولة المفاوضات بناءً على القرارات الأممية السابقة، لاسيّما القرار رقم 2254، كما يستهدف القانون دفع دمشق إلى التخلي عن الدعم العسكري الذي تقدّمه طهران.

مصادر في المعارضة السورية رأت في اتصالٍ مع "الأنباء"، أن توقيع اتفاقية التعاون العسكري بين سوريا وايران، والتي أتت مستعجلة، وبرغبةٍ واضحةٍ لإظهارها إعلامياً، "أي أنها اتفاقية إعلامية لتهرب إيران والنظام السوري من أزمتهما المتفاقمة في لبنان، والعراق، وسوريا"، وتحمل الرسائل التالية :

- رسالةً إلى أميركا رداً على قانون قيصر، الذي يتضمن في أحد بنوده مغادرة إيران وميليشياتها سوريا. 
وتقول لا يهمّنا القانون، وسنزيد علاقاتنا مع إيران.

- رسالة إلى روسيا تقول، "إن طهران هي الحليف الأساسي للأسد، ولن تتخلى عنه، ولدينا البديل الجاهز عنكم، وعن منصّات الدفاع الجوي التابعة لكم. وسوف تتولى إيران إعادة بناء البنى التحتية العسكرية للنظام بدلاً عنكم. وبالتالي فإن الجيش السوري، والأمن العسكري، ومخابراته، سوف يكونوا في خدمة الحرس الثوري الإيراني، وعليكم أخذ هذا بالحسبان بدل التلهي بلقاءاتكم مع المعارضة السورية". وتوسّعت في الفترة الأخيرة شقة الخلاف الإيراني- الروسي على الأراضي السورية، والذي ترافق مع انتشار ملحوظ لقوات روسية في مناطق انتشار قوات إيرانية، وفي بعض المناطق السورية، كدير الزور.

- رسالة من ايران موجهة إلى إسرائيل التي وسّعت نطاق استهدافها لقواعد عسكرية إيرانية في سورياوتقول، "لن نسكت بعد اليوم على هجماتكم الجوية، وسوف نستخدم صواريخ الدفاع الجوي الإيرانية، بدلاً من الروسية المعطلة عن الرد، وأننا لن ننسحب من سوريا، لا بل سوف نعزّز قدراتنا العسكرية فيها". وهذا ردٌ مباشر على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مؤتمره المشترك مع المبعوث الأميركي لإيران، برايان هوك، والذي حذّر فيه بشار الأسد من "المخاطرة بمستقبل" بلاده ونظامه، في حال، "سمح لإيران بتثبيت وجودها في الأراضي السورية، وعلى الحدود مع إسرائيل".

- رسالة مباشرة من ايران إلى تركيا على لسان باقري إنه: "على تركيا أن تدرك أن حلّ مشاكلها الأمنية لا يكون عبر التواجد على الأراضي السورية"، بل بالتفاوض مع النظام السوري من أجل "حلّ مشاكله" الأمنية. ما يعني، "إمّا أن تصالحوا بشاراً، أو ستواجهون ميليشياتنا. وإننا نؤمّن لكم مصالحكم بخصوص الأكراد، وكذلك التفاوض مع التابعين لكم سياسياً".

تسعى إيران من خلال الاتفاقية الأخيرة إلى تعزيز قدراتها في مواجهة الضغوط المسلّطة عليها للرحيل من سوريا، كما أن هذه الاتفاقية تشكّل إحراجاً كبيراً للروس، لأنها ستفقدهم ورقة مهمة، وهي السيطرة على الدفاعات الجوية السورية، وبالتالي سوف تزيد من الخلاف الإيراني – الروسي، وستضع موسكو أمام خيارين لا ثالث لهما: فإما الخضوع لابتزاز النظام، أو الاصطفاف مع المنظومة الدولية لإجبار الأخير على تقديم تنازلات، ومنها تلك المتعلقة بالوجود الإيراني.

إيران لا تريد الخروج من سوريا، بل هي مصمّمة على البقاء والتمدّد، حيث يضغط الحرس الثوري الإيراني على الرئيس علي روحاني بالاستمرار في توجيه البوصلة الإيرانية نحو سوريا، رغم الهجمات الأميركية والإسرائيلية، والضغوط السياسية والاقتصادية التي تتعرّض لها إيران.

كما أن تل أبيب لن تتراجع عن سياسة الضغط على إيران، وتقويض قدرات الحرس الثوري ووكلائه في سوريا، حيث يواصل سلاح الجو الإسرائيلي غاراته على مواقع الميلشيات الموالية لإيران، واستهداف القوافل التي تحمل معدات إلى حزب الله، وخاصة في الجنوب السوري.

لذا ترى المصادر أن الصراع الإيراني- الإسرائيلي سوف يزداد احتداماً بعد أن أصبحت الأراضي السورية خطّ مواجهة بين الطرفين، في الوقت الذي يعمل فيه الحرس الثوري الإيراني على ربط الجبهة السورية مع الجبهة الحدودية اللبنانية مع إسرائيل. وهذه العملية الإيرانية محسوبة ولا رجعة فيها، وليس لدى الإيرانيين خطة (ب) في حال إخفاقها.

بين اعتبار تل أبيب الوجود الإيراني في سوريا تهديداً وجودياً لها، وبين ما تعتبره طهران أحد أهم أركان أمنها القومي، فإن الأيام المقبلة قد تشهد المزيد من الاضطراب الناتج عن اتّساع الفجوة بين ما تريده إيران، وما تسعى إسرائيل إلى تحقيقه، وقد تقود تلك التباينات المنطقة برمّتها إلى الهاوية.