جريمة اغتيال الهاشمي تضع الكاظمي والسيادة العراقية على المحك

09 تموز 2020 05:15:00 - آخر تحديث: 09 تموز 2020 10:44:19

شيّع العراقيون، في العاصمة بغداد، جثمان الخبير الأمني هشام الهاشمي، الذي اغتاله مسلحون مجهولون مساء الإثنين، في حادثةٍ أثارت موجة غضبٍ عارمة داخل العراق وخارجه، حيث تعالت الأصوات المطالبة بالكشف عن منفذي العملية.
جريمة الهاشمي كشفت حجم المخاطر والتحديات، التي يواجها رئيس الحكومة، مصطفى الكاظمي، في تثبيت سلطة الدولة، وسيطرة المؤسّسات الحكومية على كافة المرافق الشرعية، وبسط سيادة الأمن العراقي وحده على الأراضي العراقية، ونزع سلاح الميليشيات غير الشرعية، لا سيّما المرتبطة بولاءات خارجية، لاسيّما إيران التي تحاول تثبيت قوتها، وخلق كيانات مستقلة موازية ورديفة للكيانات الأمنية الشرعية، كما هو حال الحرس الثوري الإيراني وميليشياته في إيران، تحت شعار مقاومة الإرهاب التكفيري والاحتلال الأميركي.  
جريمة اغتيال الهاشمي، واستمرار إطلاق الصواريخ المتفرقة على المنطقة الخضراء، حيث مقر السفارة الأميركية، وما سبقهما من أزمة المنافذ الحدودية، وأعمال التهريب المنظمة التي تتولى إدارتها الميليشيات الموالية لإيران، تزامنت مع تعيين وزير الداخلية السابق، قاسم الأعرجي، مستشاراً لجهاز الأمن الوطني خلفاً لرئيس هيئة الحشد الشعبي، فالح الفياض، الذي يشغل هذا المنصب منذ العام 2014، وتعين قائد عمليات جهاز مكافحة الإرهاب، الفريق عبد الغني، رئيساً للجهاز الذي كان يشغله الفياض أيضاً، والتي اعتبرها المراقبون بمثابة رسالة قوية لكف يد إيران وحلفائها عن أجهزة الأمن الرسمية. وترتبط مستشارية الأمن الوطني بالقائد العام للقوات المسلحة مباشرة، وتتولى مهمة تقديم الاستشارات الأمنية والعسكرية، في حين أن جهاز الأمن الوطني هو مؤسّسة مستقلة عن وزارتي الدفاع والداخلية، وتتولى العمل إلى جانب قوات وزارة الداخلية لضبط الأمن الداخلي.
رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، توعّد بملاحقة قتلة الخبير الأمني هشام الهاشمي، وشدّد خلال جلسة لمجلس الوزراء على أنه لن يسمح بـ"سياسة المافيا" في البلاد، وقال إن "العراق لن ينام قبل أن يخضع القتلة للقضاء"، مشدداً على أن "من تورط بالدم العراقي ستلاحقه العدالة".
وأشار رئيس الوزراء العراقي إلى أنه وجّه بإطلاق اسم "الشهيد هشام الهاشمي" على أحد شوارع العاصمة بغداد، كما قرّر مجلس القضاء الأعلى في العراق تشكيل هيئة تحقيقية قضائية تختص بجرائم الاغتيالات، مكوّنة من ثلاثة قضاة وعضو ادّعاء عام. وكانت الأمم المتحدة التي دانت الجريمة، دعت الحكومة العراقية إلى تحديد الجناة بسرعة وتقديمهم للعدالة.
 
وأثار اغتيال الهاشمي استياءً عاماً بين الأوساط العراقية والعربية، إذ عُرف المغدور بآرائه السياسية والإعلامية التي تتصدى للتغلغل الإيراني في بلاده، ولمافيات الفساد السياسي، وكان مناصراً لاستقلال قرار بغداد وتعميق تعاونها الاقتصادي والسياسي مع أشقائها العرب، ما أجّج نقمة حلفاء إيران وأنصارها ضدّه، لا سيّما الذين يخوضون حرباً مع التحالف الدولي وأميركا بالوكالة عنها.
ويشكّل غياب الهاشمي خسارةً جسيمة في الحرب على الإرهاب، حيث كان يُعتبر أحد أبرز الخبراء الدوليين المحلّلين العارفين بشؤون تنظيم داعش، ولديه العديد من الأبحاث المهمة في هذا الشأن، كما قدّم إسهاماتٍ كبيرة للحكومة العراقية، وعندما أمر الكاظمي بشن غارةٍ غير مسبوقة على حزب الله الأسبوع الماضي، بعد وجود أدلةٍ على أنه كان يخطط لهجمات جديدة، كان الهاشمي من بين أوائل الذين شاركوا التفاصيل الكاملة على وسائل التواصل الاجتماعي.
عملَ الهاشمي مستشاراً غير رسمي لحكومة الكاظمي، كما كان وثيق الصلة بالساسة، والنشطاء، ومسؤولي الجماعات المسلّحة، إلى جانب عمله مستشاراً سابقاً لحكومة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، وله كتابات في عدة موضوعات، من بينها الشؤون السياسية، وتنظيم داعش، ودور الفصائل المدعومة من إيران في العراق.
وسبق للهاشمي أن كشف عن تعرّضه لتهديداتٍ بالقتل بسبب انتقاده للجماعات المسلحة التي تطلق الصواريخ على منشآت وأهداف عراقية ومواقع أميركية، في إشارة إلى كتائب حزب الله الموالية لإيران، واصفا أيّاها بالجماعات الخارجة على القانون، وأكّد زعيم تيار "مواطنيون" العراقي، غيث التميمي صحة هذه التهديدات، حيث نشر عبر حسابه الرسمي في موقع تويتر، محادثة جرت بينه وبين الهاشمي قبل تعرّضه للاغتيال، والتي تكشف تلقي الأخير تهديدات بالقتل من ميليشيات حزب الله العراقي. وطلب الخبير الراحل النصح من غيث التميمي بشأن التعامل مع تلك التهديدات.
وقال التميمي، المقيم في لندن، عبر تغريدته: "كما وعدت وفاءً لك يا هشام، لن أسكت وأشترك في قتلك عن طريق إخفاء الأدلة عن الرأي العام".

تشكّل جريمة اغتيال الهاشمي المكشوفة والمعلومة الجناة، تحدياً مباشراً للسلطات العراقية، ولشخص رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي الذي يتوجّب عليه كشف الفاعلين، وسوقهم إلى العدالة، وقطع دابر الفتنة، ومنع إبقاء العراق ساحةً للرسائل، ولتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، ووقفَ عدّاد جرائم الاغتيال المتكرّرة التي لم تصل التحقيقات فيها إلى الجناة الحقيقيين، لا بل تختم الملفات باتّهام "مسلّحين مجهولين"، بسبب هشاشة الدولة، وسيطرة الميليشيات على المؤسّسات.