لبنان بلد التناقضات

07 تموز 2020 14:27:27

المشهد في بعلبك رائع. مهرجان وخطاب، وبارقة أمل للبعض بأن لبنان سيبقى لبنان. وسيستمر لبنان... لبنان منارة الشرق، وشعاع الحريات. لبنان الفنون والفكر والثقافة.

عجيبةٌ هي مرونة اللبنانيين! فبعد أن أطبق الدَّين العام أنيابه علينا، وشهرت "الكورونا" سيوفها في وجوهنا، وتناحر الغرب والشرق على أرضنا، وأتتنا طروحات التقسيم والتغيير إلى حد زوال الهوية. ها نحن ما زلنا نحلم ونتأمّل خيراً، إلى حد قيامنا بمهرجان موسيقي في يوم تشييع بضعة مواطنين قضوا انتحاراً بسبب حالهم، الذي يشبه حال الأكثرية من الشعب. طبعاً الموضوع ليس انتقاداً للمهرجان ولا لمن فاخر به على مواقع التواصل الاجتماعي، محاولاً عكس صورة حضارية عن لبنان، ولو أنها في الواقع صورة باهتة ومتلاشية مقارنةً بصورة الواقع المرير.

الموضوع هو صعوبة إيجاد حلٍ يرضي جميع الأذهان، والأذواق، والآراء، والأفكار، والمشاريع في هذا البلد الصغير. في هذا البلد انقسامٌ عامودي ليس فقط في الأديان والسياسة، إنما في الثقافات، وهو الموضوع الأخطر. قد تتّفق الأديان بالحد الأدنى بموضوع الخالق، وحق وحرية العبادة. وقد تتّفق الأحزاب أيضاً بعدّة طروحات وأهداف... إنما الأصعب هو إيجاد قاسمٍ مشترك بين الثقافات.

ظهر في الآونة الأخيرة موضوع اختلاف الثقافات بين المتظاهرين إلى حد فشل حراك 17 تشرين. فبعضهم من نزل بحضارة وطالب بحضارة، وبعضهم من نزل بحقدٍ وجهلٍ، وعاث ببيروت خراباً.

ظهر اليوم أيضاً من يفاخر بمهرجانات بعلبك كرمزٍ للحضارة، والثقافة، والحفاظ على الرقي وثقافة الحياة بوجه القوى الظلامية، وفي المقابل واجههم جمهورٌ ممانع ثقافته الموت، وممنّناً بأنه لولا سلاحه الذي صان الكرامة لما كان هناك من مهرجانات أساساً في بعلبك وغير بعلبك.

في هذا الوطن أصبحت الكرامة حكراً فقط على كل من يمانع، وكأن جميع طلّاب الحرية هم دون كرامة، حتى ولو كانوا يطالبون بأدنى حقوقهم وحقوق الممانعين أنفسهم. والكل في الممانعة يمانع على طريقته، فمنهم من يمانع بتهريب المواد الغذائية والمحروقات، ومنهم من يمانع بترهيب الداخل وبالتعيينات، والمحاصصات، والمناقصات... وحتى منهم من يمانع على دراجةٍ نارية في أزقّة بيروت معتدياً على شعبها الأعزل، وأملاكها، وحضارتها. 

كيف يمكن جمع هذه الاختلافات والتناقضات في مجتمعنا تحت هدفٍ واحد، ووطنٍ أوحد؟ كيف يمكننا أن نقنع البعض بأن الاختلاف بالرأي مشروع ومسموح، أما النزاع فمحرّم ومرفوض؟ ربما كان المنهج التربوي هو السبب. فالتربية الوطنية هي مادة أساسية تنقصنا جميعاً، لأننا سقطنا في الوطنية! أما مادة التاريخ، فحدّث ولا حرج، ليس هناك من قرأ، أو قرأ واتّعظ.

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".