روسيا.. نموذج دستوري جديد

07 تموز 2020 08:51:55

التعديلات الدستورية جعلت من بوتين «قيصراً» كامل المواصفات؛ لأنه تحرر من بعض المقيدات التي تفرضها الديمقراطية البرلمانية، ومن المخاوف التي تنتج عن استقلالية السلطات.

الاستفتاء الذي حصل على التعديلات الدستورية في روسيا بالغ الأهمية من حيث التوقيت، ومن حيث المضمون، وفي تبعاته السياسية. ولا تقتصر أهميته على اعتبار أنه سمح للرئيس فلاديمير بوتين بالترشح لولايتين رئاسيتين جديدتين في عام 2024 وفي عام 2030؛ بل أنه سيترك بصمات سياسية واستراتيجية أخرى، سيكون لها تأثير مستقبلي على طبيعة النظام الفيدرالي الديمقراطي في روسيا.

في مضمون التعديلات التي أدخلت على دستور الاتحاد الروسي مجموعة من العناوين البالغة الأهمية، لعل أبرزها إعادة توزيع السلطة في البلاد بين الرئاسة التي تتمتع بصلاحيات واسعة، وبين مجلس الوزراء، وبين البرلمان (الدوما) وبين الحكومات الفيدرالية المحلية.

وقد أعطت هذه التعديلات قوة للهيئات المركزية تسمح لها بالتدخل في الشؤون الحياتية ومحاسبة السلطات الإقليمية، للوصول إلى هدف بناء دولة الرعاية التي تؤمّن معيشة رغيدة للمواطنين، لا تقل عن القدرة لأي مواطن بالحصول على دخل يكفي للعيش بكرامة، وتوفير خدمات تعليمية وصحية وسكنية كافية، وفقاً لما أعلن الرئيس فلاديمير بوتين إبان دعوته المواطنين إلى المشاركة في الاستفتاء في 25 يونيو/حزيران، بعد أن تم تأجيل موعد هذا الاستفتاء أكثر من مرة جراء التدابير الوقائية التي فرضتها جائحة كورونا التي أصابت كل العالم.

ومن أبرز التعديلات أيضاً؛ فرض قيود سيادية ووطنية على المسؤولين في الدولة، تمنع عليهم فتح حسابات مصرفية في بنوك خارجية، ومنعهم من امتلاك جنسية أخرى غير روسية.

وسمح لرئيس الدولة بالترشح للمنصب مرتين متتاليتين فقط، مع تصفير عدد الدورات منذ بدء تطبيق القانون الدستوري الجديد، بمعنى أن هذه التدابير الزمنية لا تنطبق على مَن سبق أن تولى الرئاسة وهما بوتين ومساعده الأيمن ديمتري مدفيديف فقط وقد لحظت التعديلات حصانة قضائية للرئيس بعد تركه الحكم، وهذا ما يضمن للرئيس بوتين حماية كافية في المستقبل من أي نوع من أنواع المساءلة أو التشفي ضده بعد تركه الرئاسة.

ولا تخلو التعديلات الدستورية من شطحات «العظمة» الدولية التي اعتاد بوتين القيام بها اتجاه الخارج؛ بحيث تضمن التعديل فقرة ترفض تنفيذ أي قرارات دولية تتعارض مع أحكام الدستور الروسي، وهذا الأمر سيؤدي بطبيعة الحال إلى تراجع مستوى الالتزام بمثل هذه القرارات عند دول كبرى أخرى، ما يؤشر إلى مستقبل فيه تفلت متزايد من منظومة العمل الدولي المشترك القائمة اليوم، وفي الطليعة منظمة الأمم المتحدة والمؤسسات المتفرعة عنها.

مما لا شك فيه فإن نجاح الاستفتاء على تعديل الدستور الروسي، سيؤدي إلى تغييرات على سياق العلاقات بين الدول الكبرى. ونتائجه في الشكل، وبصورة أولية، أدت إلى تعزيز مكانة رئيس روسيا بين أقرانه الآخرين في العالم، لأنها جعلت منه «قيصراً» كامل المواصفات، لأنه تحرر من بعض المقيدات التي تفرضها الديمقراطية البرلمانية، ومن المخاوف التي تنتج عن استقلالية السلطات.

اللحظة السياسية التي حصلت فيها عملية الاستفتاء على التعديلات؛ كانت مناسبة للرئيس بوتين من جوانب عدة. فجائحة كورونا أضفت هماً صحياً شغل جزءاً كبيراً من الرأي العام الروسي عن العمل لتقويض نتائج الاستفتاء، وأربكت المعارضة، خصوصاً أن المواجهة الروسية لمخاطر الوباء حصلت على بعض الثناء، وقد تكون روسيا من أولى الدول التي تُظهر إلى العلن علاجاً ناجعاً لمرض كورونا، لأن المختبرات الروسية أخذت أذناً من السلطات الصحية في البلاد، بإجراء تجارب بشرية على 3 عقاقير، فيها مؤشرات كافية على إمكانية النجاح في معالجة المرض العضال.

كما أن الظروف الدولية القاسية التي يمر بها العالم اليوم، صرفت الأنظار عن تسليط الضوء على التعديلات الدستورية الروسية، والتي وصفها بعض المتابعين من قادة الرأي؛ بأنها «شمولية بثوب ديمقراطي». فتولي شخص واحد للرئاسة في دولة ديمقراطية لما يقارب 30 عاماً لم تحصل منذ قبل، علماً بأن رئيس الوزراء ديمتري مدفيديف الذي تولى الرئاسة بين 2008 و 2014، كان ظلاً للرئيس بوتين، ومرشحه لهذا المنصب، وبقي بوتين رئيساً للوزراء طوال هذه المدة.

دور روسيا على المستوى الدولي لم يتراجع خلال السنوات القليلة الماضية، لكنه لم يتقدم بما فيه الكفاية في نفس الوقت، وبدا حجم الولايات المتحدة الأمريكية ومن بعدها الصين أكثر تأثيراً منها، لكن هذا الدور مرشح للتعاظم في المستقبل في ضوء القوة التنفيذية التي أعطتها التعديلات للرئيس بوتين، وفي ظل المقاربات الجديدة التي تعتمدها روسيا في سوريا وليبيا، وأبرز هذه المقاربات الابتعاد عن تغطية القادة الذين استهلكتهم الأحداث، وتنشيط الحراك الدبلوماسي بالتوازي مع قدرة التدخل العسكري.