نحنُ شعبٌ لا يقرأ

05 تموز 2020 12:32:30

إنَّ معظم الثورات التي انتفضت بوجه الدولة، أو العدو، أو حتى الاستعمار، وحقّقت انتصاراً من دون نزاع وإراقةٍ للدماء، وتدمير الممتلكات، وإحراقٍ وتكسير، هي الثَّورات اللَّاعنفيّة.

نحن شعبٌ لم يقرأ عن اللَّا- عنف، ولا حتى عن الشخصيّات التاريخية اللَّا- عنفيّة. ولم يتّبع يوماً تأهيل ذاته، ومضمونه، وتفكيره، وإعادة سيره في المبادئ الإنسانية، وأخذ الوعي الكافي لتحريره من الموروثات الطائفية، والعادات، والتقاليد، وحبّ السلطة، والخضوع لها. بل كان دائماً تحت سقف العبودية، وعليه فقط أن يأكل ويشرب، ينام ويمشي، ينتخب مقابل العملة والمصلحة الخاصة.

معظم الشخصيات التاريخية كانت عاملاً بارزاً في الحقبة الماضية، وهي انتصرت على الاستعمار، والدولة، والقانون، وعلى العدو والإقطاعية، والرجعية والطائفية، لكن من دون سلاح!!! ومن دون إراقة الدماء، فقط بالمبادئ، والمفاهيم، والأدوات اللّا- عنفية بالاعتراض، برفض الخضوع، وبالعصيان، وبتوحيد الرؤية، والهدف، وتجميع الأفكار، واعتماد الاستراتيجيات اللّا- عنفيَّة في سبيل الوصول إلى الحق، والحاجة من خلال بناء مجتمعٍ متماسكٍ، قويٍ، وشجاع يواجه كل الأزمات بالتمرُّد والعصيان... 

إنَّ العمل في سبيل الحقيقة يحتاج إلى وعي، وشجاعة، وتخلٍ عن الأنانية، وإنشاء المقاومة المدنيّة اللّا- عنفيَّة، وسيكون هنالك حتماً الوجود الأصيل لا الوجود التّعويضي، وسيجعل العدل والإنسانية تنتصر، وخلع الشوائب السلطوية.

إنَّ تقبُّل الإنسان الواعي للألم لا يعني الإخضاع، بل علينا أن نقاوم ونتمرَّد على العنف الاستعماري في بلدنا. استعمروا أفكارنا بحُجة النسبة، والميثاقية الطائفية. استعمروا حرّيتنا، ووضعوا لها حدوداً وضوابط، جعلوا من شخصيّاتنا، وأرواحنا عبوديّة لسياساتهم، وأهدافهم الخاصة التحريضية على الفئة والمجتمع الآخر. 

اختلافكم هو سبب إبداعكم، وإبداعكم يقلقهم، لذلك يحاولون دائماً ضمّكم إلى القطيع. يغيّبون عقولكم بمخدّراتهم، ويجعلونكم نمطيِّين تفكِّرون في اتّجاهٍ واحد. لكم الخَيَار الآن، أو أبداً... اخرجوا من القطيع. تساءلوا وابحثوا عن كلِّ شيء، وأيِّ شيء. كونوا أنتم لتصبحوا أفضل. إنَّ تغيير عقلية القطيع يحتاج إلى حكماء العقل، وليس حكماء الكراسي.

اختلافكم هو سبب إنسانيَّتكم، وإنسانيَّتكم تقلقهم. 

لذلك يحاولون طمس هويَّتكم، وضمِّكم إلى دائرتهم العنفيَّة. يغيِّبون عقولكم بسلطةٍ أحاديَّة كأنَّها مخدِّر أفيون. شعوب تأكل شخصيَّة إنسانها، وتجعله في سياج الخوف والحرمان. لكم اختيار أنفسكم، فكلُّنا لدينا مقدرتين: مقدرة العنف، ومقدرة اللَّا- عنف. ونحن نحدِّد من نختار أولاً. اخرجوا من أنفسكم، وابحثوا عن الإنسان وقيمته. ابحثوا عن الشُعوب التي تصرخ. ابحثوا عن الطِّفلِ المبدع. ابحثوا عن اللَّا- عنف، ومارسوا طقوسه المقدَّسة. وابحثوا عن كلّ شيء، وأيّ شيء. عارِضوا بقوَّة. بإقناعٍ، وشجاعةٍ، ومفاهيم، وبرؤية العقل. كونوا أنتم لتصبحوا أفضل. نحن لا ندمن الاستسلام والخنوع والذل، ولا نشتري بالغالي عقلية القطيع. سننتصر على العنف، وسننتصر لأجل اللَّا- عنف.

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".