أبو الحسن في جلسة مناقشة البيان الوزاري: سنكون بالمرصاد لأي محاولة للتطاول على مقدّرات الدولة

الأنباء |

قدّم عضو "اللقاء الديمقراطي" النائب هادي أبو الحسن مداخلة باسم اللقاء في جلسة مناقشة البيان الوزاري، فقال: أما وقد أبصرت الحكومة النور بعد طول إنتظار وشكوك وملل،  وأتى تشكيلها ليعطي فرصة جديدة ويعيد إحياء الأمل، وبعد هذا المخاض العسير ، الذي كاد يعرّض الدولة للسقوط ويهدد الوطن ببئس المصير، وعلى الرغم من أهمية ما تحقّق بعد كلّ هذا العناء ، فإن ولادة الحكومة على أهميتها لن تكون نهاية المطاف، بل بداية الإنعطاف. إنعطافٌ نحو مخاض جديد مليء بالتحديات والصعوبات . مخاض بناء دولة القانون والمساواة والعدالة الإجتماعية، دولة الأوادم والشفافية .. هذه هي الدولة التي يتوق إليها اللبنانيون .. كل اللبنانيين. لكنْ مهما كثرت الصعوبات فإن إرادتنا أكبر ، ومهما إستفحلت التحديات سيزداد إصرارنا أكثر. فالزمن يسابقنا ، والمخاطر تداهمنا ، والأعباء تغرقنا. والوطن على مفترق خطير، وأمامنا جميعاً يرتسمُ سؤال كبير : ماذا بعد ؟

وأضاف: الجواب حتماً ليس في بيان وزاريّ أو نص إنشائي، مع تقديرنا للجهود التي بذلتها لجنة الصياغة. الجواب الحقيقيّ يبقى بالقناعة والإرادة ، وبجدية القرار وحسن الخيار، لتترجم النوايا بالأفعال وليس بالأقوال. لقد مرت عقود وتبدّلت عهود، تغيّرت سياسات وتبدلت حكومات . ما يزيد على ربع قرن منذ اتفاق الطائف وحتى الآن ، والثابتة الوحيدة هي مزيدٌ من الأزمات والإخفاقات. أما الإنجازات على أهميّتها ، فكم أرهقتنا بكلفتها الهائلة قياساً بأحجامها،  وكم كلّفت الدولة من خسائر حتّى أضحت دولتنا مثقلة مريضة عليلة ، فيما السبب الجوهري هو علّة نظامنا الطائفيّ ، الذي تختصر بعض نتائجه بكلمتين "هدرٌ وفساد". 
وسأل أبو الحسن: ماذا نفعل ؟! ماذا نفعل لتحويل مكافحة الفساد من شعار شعبوي إلى نهجٍ فعلي؟

أسس منح الثقة

وتابع: نحن اليوم أمام حكومة جديدة بعناوين جذابة جميلة. حكومة ولدت بفعل ائتلاف معظم القوى السياسية ونحن منها ، ولنا فيها رفاق وأصدقاء. على هذا الأساس سنمنحها الثقة ، وسنعطيها الفرصة من أجل تسهيل انتظام عمل الدولة ومؤسساتها وتحمّل مسؤوليّاتها أمام الشعب اللبنانيّ وإنقاذ الوطن .لكنّنا نتطلع في الوقت ذاته إلى ثقةٍ من نوع ٍ آخر ، ثقة المواطن بدولته وبصدق النّوايا للإصلاح الجدي والفعلي بعيداً عن الشعارات الرنانة .
من هنا نقف في هذا المجلس الكريم ، مزوّدين بثقة الناس ، مرتكزين على إرث ونهج إصلاحي يجعلنا بالمرصاد لأية محاولة للتطاول على مقدّرات الدولة. فالحكومة والوزارات والإدارات والمؤسسات كلّها ستكون تحت أنظارنا. لن نسمح بتمادي الأيادي المتطاولة على المال العام، لن نرحم فاسداً مهما علا شأنه أو  زاد حجمه . لن نساير أحداً ، ولن نستهدف أحداً إلا بمقدار ما يستهدف مصالح الناس وحقوقهم ويتعارض مع مصالح الدولة وحقوقها . في جعبتنا الكثير الكثير ، لكننا اليوم لن نعكّر صفو إنطلاقة الحكومة، بل سنعطي فرصة للتصحيح، وإن غداً لناظره قريب .

متمسكون بـ "الطائف" .. وفلسطين

وأردف: في هذه اللحظة المصيرية والحساسة من عمر الوطن ، وفي ظلّ المتغيرات الإقليمية القادمة ومخاطرها المحدقة، ونحن على مشارف نهاية المئوية الأولى من عمر دولة لبنان الكبير، وعلى أبواب صفقة القرن الخبيثة الهادفة إلى تصفية القضيّة الفلسطينية وتثبيت الكيان الغاصب، نعلن التزامنا بفلسطين ووفاءنا لقضيّتها. ونجدّد تمسّكنا بالحقوق المقدّسة للشعب الفسطيني بعيداً عن بازار الصفقات الإقليمية والدولية وبعيداً عن مكر المتآمرين وخبثهم .
أما داخلياً ، فنعلن تمسكنا بإتفاق الطائف. هذا الإتفاق الذي كنّا من أبرز أركانه وصنّاعه ، والذي لم نتنكّر له يوماً ، نجدد وعدنا اليوم بأن نبقى من أبرز حماته ، إلى أن تأتي الظروف ونلتقط اللحظة التاريخية المناسبة لتطوير نظامِنا السياسيّ نحو نظام علمانيّ ديمقراطي حضاري ، وهذا ليس وهماً بل غاية نطمح ونسعى لتحقيقها.
ولتكن الخطوة الأولى في هذا المسار ، إتخاذ القرار الشجاع بتشكيل الهيئة الوطنيّة لإلغاء الطائفية السياسيّة ، والتي تشكّل امتحان الإرادة لإحترام اتفاق الطائف والإستعداد لتطوير النظام،  لأننا نؤمن بإستحالة الإصلاح والتطوير والمحاسبة الفعلية في ظل نظام طائفي عليل قائم على تبادل المصالح، مما يجعل الفاسدين محصنين في محميات طائفية تتعارض مع فكرة الدولة الحديثة التي يطمح إليها الشباب اللبناني التوّاق للتطور والتحرر والحداثة والعمل.  


وتساءل أبو الحسن: أمام واقعنا الحالي ماذا نفعل ؟ كيف نطمئن شابّاتنا وشبابنا بأننا لن نضيّع المزيد من الفرص، ولن نسمح بهدر الوقت والمال العام؟ لقد سئم الناس وسئمنا معهم الرقص على حافة الهاوية . أهكذا تُحكم الأوطان ؟ أهكذا نحفظ لبنان ؟  نرفع الشعارات ونكتب البيانات ونتقدم بأهم الأفكار والمقترحات ، فلا نحصد إلّا الأزمات والخيبات!
وقال: كلُّ ذلك بسبب غيابِ النوايا الصادقة والإرادة الحقيقية الكفيلة وحدها بتغيير الواقع ، وبسبب غياب خطة إقتصادية واضحة المعالم للخروج من المستنقع الذي نتخبط فيه . 

لتطبيق القانون والمحاسبة والمساءلة

وتابع : لذا، وبعد أن قرأنا البيان الوزاري، والذي تضمن عناوين مهمة مبنية في جزء أساسي منها على مقترحات كنا قد توافقنا عليها مع العديد من القوى السياسية ، وتقدّمنا بها في اللّقاء الديمقراطي من خلال مقترحات إنقاذية تقشفيّة والتي تشكّل جزءاً  مهماً من هذا البيان الوزاري، وانطلاقاً من إقتناعنا بالكثير من العناوين الواردة في النص رغم تحفّظنا على البعض الآخر منها ، فإننا ندعو الجميع للتعامل مع برنامج عمل الحكومة باعتباره فرصة جدية، والتزاماً فعلياً بمعالجة مكامن الهدر والفساد والقيام بالإصلاحات والمعالجات كخطوات ملزمة على طريق الإنقاذ .
وهذا النهج يختصر بكلمتيْن "تطبيق القانون". وهنا ندعو كل المسؤولين لاحترام وتطبيق القوانين والدستور ، ونناشد زملاءنا النواب لملاقاتنا في ورشة المحاسبة والمساءلة النيابية بغض النظر عن التحالفات والمصالح السياسية . ونطالب في الوقت ذاته بإطلاق يد الهيئات الرّقابية فعلاً لا قولاً ، وبمنع تكبيلها بإعتبارات فئوية أو طائفية كما هو واقع الحال اليوم.

تعويضاً للوقت الذي هدر واستدراكاً  للاستحقاقات القادمة المحفوفة بالخطر، سنتناول نقاطاً محددة نشير الى أهمها وإلى بعض الملاحظات بإقتراحات معينة .. وإنسجاماً مع فكرة السماح المقترحة بمئة يوم .

مخالفات قانونية فاضحة في ملف الكهرباء!

وأضاف: فلنبدأ بالملفّ الأساس الذي يشكّلُ التحدي الأخطرَ والعبءَ الأكبر على ماليةِ الدولة ، عنيت بذلك ملف الكهرباء ، على أن يبدأ فوراً ودون إبطاء تطبيق القانون رقم 2011/181 ، وأولى الخطوات تبدأُ بتعيين مجلس إدارة لمؤسسة كهرباء لبنان وتعيين الهيئة الناظمة،  مع التأكيد على إستقلالية هذه الهيئة وعدم ربطها بأي شكل من الأشكال بوصاية الوزير ، وهنا نسجّل اعتراضنا على طلب تمديد القانون 2014/288 ، وفي السياق نفسه نتحفّظ على عبارة "العودة الى مراجعة القانون بهدف تحديثه" كما وردت في البيان ، لأن ذلك قد يدخلنا بالتجاذبات والإجتهادات مجدداً ممّا يؤخر البدء بتطبيق القانون والإصلاحات ، ويتيح إلقاء اللوم على المعرقلين تحجّجاً ، فيسهّل بالتالي الإبقاء على حل البواخر الذي نعترض عليه . كما نستغرب أشد الإستغراب القيام بتعديل القرار رقم 84 الصادر عن مجلس الوزراء بتاريخ 2018/5/21 تحت تبرير خطأ مادّي وبشكل مخالف للقانون، ونصر  على الإبقاء  على القرار كما صدر عن مجلس الوزراء مجتمعاً  .


 وأردف: منذ الآن نطالب بعقد جلسة نيابية كل ثلاثة أشهر ، تخصص حصراً لبحث ملف الكهرباء وتقييم التقدم والإنجازات إذا تحقّقت. وفي  الإطار ذاته ، نعلن مسبقا أننا لن نوافق على الإعتمادات المطلوبة للكهرباء والبالغة قيمتها 2800 مليار ، ما لم يكن صرف السلف مجزأ و مرتبطاً بمقدار التقدم في تنفيذ الخطة وبحد أقصى للصرف لا يتجاوز 1500 مليار لعام 2019 ، مع رفضنا الحاسم لزيادة تعرفة الكهرباء قبل تخفيض الهدر التقني والمالي والإداري ، والبدء بالإصلاحات ، وحصر إمكانية النّظر بالتعرفة مستقبَلاً لتغطية الكلفة المترتبة على أسعار الفيول، آخذين بعين الإعتبار دائماً الفئات الأكثر عوزاً .
كما نعلن موقفنا الثابت والمبدئي برفض الخصخصة التي تؤدي الى بيع القطاع العام ، مع مراعاتنا لمبدأ الشراكة بين القطاعين العام والخاص من دون التنازل عن ملكية الدولة . 

نخشى رائحة الصفقات لا رائحة النفايات

وأما التحدّي الآخر فهو الملف البيئي ، الذي يشكّل مرآتنا جميعاً، ويعكس مستوى ثقافتنا ونظافة تفكيرنا ، وهو المؤشّر  الحقيقي على قدرتنا كمسؤولين بأن نكون جديرين بالمسؤولية . وهنا ندعو الحكومة للالتزام بخطة واضحة ، خصوصاً أننا على مشارف أزمة كبرى ، وبين المحارق والمكبّات ، نخشى أن تكون الرائحة الأكثرَ انبعاثاً هي رائحة الصفقات لا رائحةُ النفايات ، ولن أزيد .
أما ما لفتنا في البيان فهو خلوه من أية إشارة لموضوع تسوية مخالفات الأملاك البحرية، التي شكلت محور إهتمام جبهة النضال الوطني ولاحق اللقاء الديموقراطي منذ مطلع التسعينيات . إن الشروع بمعالجة هذا الملف يشكّل إختباراً حقيقياً لنوايا الحكومة وقدرتها وجديّتها في مقاربة المواضيع الأكثر أهمية وفائدة للدولة وللمواطنين على السواء . 

تجاهل الواقع الإجتماعي الانساني لم يعد مقبولاً

وقال أبو الحسن إن "الحال الذي نعيشه اليوم خلق واقعاً إجتماعياً وإنسانياً مأساوياً لم يعد من المقبول تجاهله أو إغفال مسؤولياتنا تجاهه"، لافتاً إلى أنه "على الحكومة الإيفاء بتعهداتها ازاء ملف حقوق الانسان امام هيئات المعاهدات الدولية ولجنة حقوق الانسان في الأمم المتحدة، مع وجوب إصدار المراسيم التنفيذية للمؤسسة الوطنية لحقوق الانسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب".
وتابع: بالمناسبة ، فمن غير المقبول التعامل مع المؤسسات الإجتماعية بنظرة واحدة ، لذا نطالب بإلغاء عقود كل المؤسسات الوهمية بعد إجراء مسحٍ وتحقيق دقيق، وإعطاء المؤسسات الفعلية التي تتحمل مسؤولياتها وتقوم بدور إجتماعي إنساني رائد كل الدعم والرعاية والإهتمام ، كما نؤكد على وجوب صرف كامل مستحقاتها ورفع الظلم عنها ،  وهذه مسؤولية أخلاقية وإنسانية قبل كل شيء . وبالمناسبة أيضاً نطالب بالإفراج عن مرسوم مستحقات البلديات وصرفها، ودفع المبالغ المستحقة للمستشفيات  .
وشدد على ضرورة "إعادة النّظر بشكل جذري بالنظام الضريبي وإعادة تصحيحه ورفع نسبة الضرائب المباشرة، وإعتماد الضريبة التصاعدية، والعمل على تخفيض الضرائب غير المباشرة التي تطال الفئات الشعبيّة بشكل رئيسي"، وأضاف: أما بموضوع المناقصات، وقد لفتنا مروره الخجول في البيان الوزاري، فإن موقفنا ثابت ولن نساير به مهما كلّف الأمر. فلتحصر كافة أنواع الصفقات المتعلقة بالمؤسسات العامة والهيئات والمجالس والصناديق بإدارة المناقصات. هكذا يمكن أن تقدم الحكومة العتيدة مؤشراً إضافياً حول جدّيتها في مكافحة الفساد والهدر، وليس بإلهائنا بإستراتيجيات وطنية او خيالية لمكافحة الفساد والتي قد تبقى حبراً على ورق .

لإنشاء محكمة الرؤساء والوزراء

وتابع: لا بد أن نكسر القيد ، لا بد أن نحدث صدمة إيجابية مختلفة، ونحن مطالبون بذلك تحت حكم شعب محقّ  يترقَّبنا ويراقبنا من على حافة الثورة. لذا ندعو الى إنشاء المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء كما نصّت عليه المادة 80 من الدستور، كما ندعو لإعادة النظر بمفهوم الحصانة وتحديدها ، ليتساوى الجميع أمام سلطة القانون. 
 قبل الختام لا بد من الإشارة إلى أن ما يتعرّض له الناجحون في مجلس الخدمة المدنية من ظلم نتيجة التأخير في إصدار المراسيم المتعلقة بتوظيفهم هو مخالف للأصول وإنصياع للإعتبارات الطائفية والفئوية التي تتعارض مع أحقيتهم ، فأين تطبيق القانون والدستور ، اليوم نكتفي بهذا القدر من الملاحظات والعناوين ، وهي ذات دلالة واضحة على نهجنا الحالي والمستقبلي، وغداً يوم آخر.

خرجنا من المراعاة لنكون في الميدان

وختم أبو الحسن كلمته بالقول: غداً تبدأ الورشة الحكومية، وغداً نبدأ مهامنا الرّقابية.
الزمن تغيّر مع تغير الحال ، خرجنا من المراعاة في كل مجال ، فالمخاطر كبيرة والوعود كثيرة والثقة قليلة. الناس تراقب وليس هناك من يحاسب. . أما نحن فسوف نحضر في الميدان ويحضر معنا طيف المعلم الشهيد كمال جنبلاط الذي قال يوماً إن "من تهرّب من معركة الحياة كمن تهرّب من معركة الحق".
وها نحن نقولها اليوم : إن من يتهرّب من معركة حماية حقوق الدولة والناس كمن يتهرب من معركة الحق . ومن لا ينخرط في هذه المعركة فهو يقع بين حدين، حد التخاذل تجاه الناس وحد التطاول على حقوقهم. 
فليكن عملنا مكثفاً هادفاً فاعلاً جريئاً من أجل كرامة الإنسان ومن أجل وطننا لبنان .