ليبيا والأمن القومي المصري

02 تموز 2020 15:20:02

تجاوزت الأحداث في ليبيا واقع كونها نزاعاً داخلياً على السلطة، وأصبحت ساحة توتر واسعة، تُهدد الأمن القومي العربي عامة، والأمن القومي لمصر على وجه التحديد. وقد تمادت الميليشيات المتطرفة، التابعة لحكومة الوفاق التي يقودها فايز السراج في طرابلس، وبدت أداة لمشروع إقليمي يخفي أطماعاً واضحة بالساحة العربية، ويهدف إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي، ويُساند هذه الميليشيات، التدخل السافر الذي تمارسه حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بخلفيات عقدية واستعمارية تُثير الشبهات.

صحيح أن الفراغ الاستراتيجي الذي تركه تراجع الدور العربي فرصة ذهبية للطامعين باستعادة الأحلام الإمبراطورية؛ إلا أن ذلك لا يبرر مخالفة الإرادة العربية والدولية الجامعة، التي أكدتها مباحثات مؤتمر برلين للحوار حول ليبيا الذي انعقد في 20 يناير/‏كانون الثاني 2020، بحضور ممثلين عن 12 دولة كبرى معنية؛ إضافة إلى مندوبين عن المنظمات الدولية وطرفي النزاع. وقد أكد إعلان برلين على تطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي التي تمنع كل أشكال توريد الأسلحة والمقاتلين إلى ليبيا، وتبني مقاربة حلّ الأزمة بواسطة الحوار.

التدخُل العسكري التركي المباشر في الأحداث الليبية، وتوريد أحدث الأسلحة وإرسال مرتزقة من سوريا إلى ساحات القتال، يعد خرقاً للتوافقات الدولية.

المعاهدة التي تستند إليها أنقرة في تعاونها مع حكومة السراج والموقعة بينهما مطلع ديسمبر/‏كانون الأول 2019؛ باطلة؛ وفقاً للقانون الدولي؛ لأن برلمان ليبيا المنتخب شرعياً رفضها، وهي تخالف قانون البحار، وتتعارض مع قرارات مجلس الأمن الدولي، إضافة إلى كون حكومة السراج منتهية الصلاحية، وتفتقد للغطاء الشرعي من البرلمان، وفقاً لما صرّح به وزير الخارجية والتعاون الدولي في حكومة ليبيا المؤقتة عبد الهادي الحويج، الذي اعتبر أن التدخل العسكري التركي في ليبيا يعد استعماراً جديداً.

تجاهلت حكومة أردوغان كل التحذيرات العربية والدولية من مغبة اندفاعها العسكري الجديد، وقادت هجوماً استهدف مناطق حيوية من شرق ليبيا، وأعلنت ميليشيات حكومة السراج أن الهدف احتلال مدينة سرت الساحلية الاستراتيجية وسط البلاد، كما كشفت السلطات التركية عن اتفاق مع حكومة السراج على إنشاء قاعدتين عسكريتين تركيتين ثابتتين في منطقة الوطية وبالقرب من مدينة مصراته.

مع تجاوز التدخل العسكري التركي لكل الحدود؛ أعلنت مصر أنها لن تسمح باختراق أمنها القومي من خلال ليبيا، وقام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بزيارات ميدانية للقواعد العسكرية القريبة من الحدود مع ليبيا، داعياً القوات المسلحة للاستعداد للتدخل داخل مصر وخارجها؛ للدفاع عن الأمن القومي لمصر، ولصد اي عدوان يستهدف المصالح العربية العليا، واضعاً خطوطاً حمراء أمام تقدم قوات السراج المدعومة من تركيا، وحذرها من دخول مدينتي سرت والجفرة.

ولمصر تجربة مريرة مع الانفلات الأمني في ليبيا؛ ذلك أن 1200 كلم من الحدود بين البلدين لا يمكن ضبطها في حالات الفوضى، فكيف إذا سيطرت المنظمات الإرهابية المتطرفة على بعض مساحات من هذه الحدود. خصوصاً أن هذه الجهات المعادية لمصر قامت في السابق بتهريب كميات كبيرة من المتفجرات والأسلحة عبر هذه الحدود إلى الداخل المصري، وقد عثرت قوات الأمن المصرية على البعض منها في سيناء وغيرها. كما أن هذه المنظمات «الإخوانية» المتطرفة نفذت عمليات داخل مصر وتم توقيف عدد من الأفراد الذين ينتمون إليها.

الموقف العربي بشكل عام يرفض التدخل التركي السافر في الشؤون العربية، وقد أصدرت جامعة الدول العربية بياناً واضحاً في هذا الخصوص.

الموقف العربي يساند مصر ويرفض التدخُل العسكري التركي، ويدعو لحل الأزمة في ليبيا من خلال الحوار، ولن يسمح باستباحة الأمن القومي مهما كانت التضحيات.