هل التعليم سيصبح فقط للأغنياء؟

01 تموز 2020 16:19:00 - آخر تحديث: 01 تموز 2020 16:20:38

يساعد التعليم في بناء ركائز المجتمعات ودعائمها. وهذا ما يعزّز مداميك النجاح ويقوّيها، ويصقل الحياة الاجتماعية ويطوّرها، كما وأنه يُعزّز قيَم المواطنة لدى الأفراد، ويُساهم في جعل المجتمعات البشرية آمنةً، بحيث ينشأ أشخاصٌ يمتلكون مهارات ومعرفة جيدة لا يُمكن أن تتوافر إلّا من خلال التعليم الجيّد، وبالتالي يُغرس في الشخص الشعور بالانتماء لوطنه، وبحيث يكون قادراً على إدراك الواجبات والمسؤوليات التي تقع على عاتقه كفرٍد من أفراد المجتمع. كما وتكمن أهميّته في تحقيق التنمية المستدامة، والتي تُعدّ من أقوى الأدوات للحدّ من حالة  الفقر والعوز والبطالة، ويُساعد أيضاً على النمو الاقتصادي، ويُمكّن الناس من أن يكونوا أكثر إنتاجية، لتحقيق عيشٍ كريمٍ وأفضل. لذلك يجب علينا جميعاً تكثيف كافة الجهود، لبناء جيلٍ محصّنٍ بالعلم والمعرفة والثقافة.

أين نحن اليوم من هذه النظريه البنيوية في صقل المجتمع والأجيال؟ وهل سيصبح التعليم في مهبّ الريح في ظل تردي الوضع الاقتصادي والمعيشي، ويكون التعليم فقط حكراً للأغنياء، ويُترك الفقير المتفوّق منسياً لقَدَر الحياة، وليس له مكان... مع أنّ من حقه الطبيعي أن يتعلّم مثله مثل غيره، وأن يكون التعليم للجميع، ومن حق الجميع، ولكل الطبقات، أو نقول له لا تتعلّم، وأن تكتفي فقط بقوْتك، ورغيف خبزك. 

إنّ التعليم، وفي مختلف مراحله ومستوياته حقٌ أساسي ومشروع لكل طالب بأن يدخل المدرسة، ابتداءً من الروضة، وصولاً إلى الجامعة. ولكن هل الفرص اليوم متاحةً لهؤلاء الطلّاب، وخصوصاً الذين هم من الطبقة الفقيرة وغير الميسورة، أم تقلّصت بسبب الوضع المتأزم، وتخبّط الأهل في كيفية تأمين أقساط مدارسهم وجامعاتهم، بالإضافة إلى قوْتهم اليومي؟

بالفعل نحن اليوم أمام مأزقٍ كبير، وفي مواجهةٍ صعبة وخطيرة، لأن الجامعة اللبنانية، والمدارس الرسمية، غير مؤهّلة، وغير قادرة لاستقبال هذه الأعداد الكبيرة من الطلاب واستيعابهم، وهم الذين سينتقلون من الجامعات الخاصة إلى الجامعة اللبنانية (أضف إلى ذلك، تغيير المنهاج من فرنسي إلى إنكليزي أو العكس)، وكذلك الانتقال أيضاً من المدارس الخاصة إلى المدارس الرسمية... فهل سنكون أمام صدمةٍ تربوية خانقة قاتلة، وعلى من تقع المسؤولية ؟ وهل وزارة التربية والتعليم العالي جاهزة لهكذا نزيف؟ 

إن خطورة الموقف تجعلنا ندخل في المجهول، وفي كسر طموحات الطلاب، وهدم مستقبلهم الحياتي والعلمي، وإماتة أقدارهم وطموحاتهم في صراع العلم والثقافة بسبب الاستهتار، وعدم الاكتراث تحت وسادة الجهل والأميّة. هل التاريخ سيعيد نفسه كما كان سابقاً.... من وجود بارقة أمل أمام هؤلاء الفقراء، والوقوف إلى جانبهم، كما كانت الأحزاب، وفي مقدمتهم الحزب التقدمي الاشتراكي، تبعث بخريجيها إلى الدول الاشتراكية (الشيوعية) لتعليمهم ونيلهم الشهادات، لكي يبقى المجتمع محصناً ببنية تعليمية متينة، ومواكباً للتطور والعصر.

في ظلّ هذا الواقع المنزلق والمتهاوي، أصبحت المؤسّسات الخيرية التعليمية، كمؤسّسة وليد جنبلاط للدراسات الجامعية، ومؤسّسة رفيق الحريري، غير قادرتين على دعم هؤلاء الطلاب. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة... ماذا عن التعليم في هذه الحقبة؟ وذلك في ظل وزارة الأقوال لا الأفعال، وعدم وضع استراتيجيات تحمي هؤلاء الطلاب من الاستمرار في الحصول على حقّهم في التعليم وتوجيههم... نعم نحن أمام منزلقٍ شديد الخطورة، وبمأزق خطير جداً، إذ لا علم، ولا ثقافة، ولا تربية، بدون مدارس وجامعات جيّدة. فلولا دعم تلك المؤسّسات الخيرية التعليمية والأحزاب، لما كنا اليوم أمام جيل واعٍ، مثقفٍ، معلّمٍ، ومحصّن بشهاداته العلمية، بل كنّا أمام جيلٍ أميٍ، ومشردٍ في الطرقات، حياته مأساوية، شارداً في حنايا الأمنيات والترجّي. 

وفي النهاية لا بد من إيجاد فسحة أمل، لكي لا تُغلق الأبواب، وتبقى موصدة أمام الطلاب، وذلك يتطلب منّا أخذ المبادرة السريعة والفورية في تدعيم الاختصاصات الفنّية والتقنية وتحفيزها، نظراً لفائض حاجات المؤسّسات والدوائر من حملة الشهادات الجامعية، مما أدى إلى تفاقم نسبة البطالة، وعدم توفر فرص العمل بسبب فقدان التوجيه في مرحلة التعليم الثانوي. لذلك لا بدّ لهؤلاء الطلاب من اللجوء والتوجّه إلى القطاع المهني والتقني لإكمال تعليمهم وتدريبهم على المهن المطلوبة، وبكلفةٍ أقل بكثير من التعليم الجامعي، نظراً لأهمية هذا القطاع وديمومته في المستقبل، إذ أنه أصبح من القطاعات المهمة والمنتجة في تحقيق التنمية المستدامة، والذي يفرض نفسه بقوة، وأكثر من أي وقتٍ مضى، لأننا بأمسّ الحاجة إلى الفنيين والتقنيين للحد من نسبة البطالة والنهوض في الاقتصاد والصناعة، وخصوصاً في ظل هذا الوضع الاقتصادي والمعيشي المتردي، والذي يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، وهذا ما نادى به الزعيم وليد بك جنبلاط منذ سنتين، مستدركاً خطورة هذا الوضع، والحاجة الماسة إلى اليد العاملة.... فلماذا لا يكون هذا القطاع الملجأ لهؤلاء الطلاب، وخلق فرص عمل لهم، وتطوير قدارتهم الذاتية، وتوفير المهارات والمعرفة وربطها بالممارسة التي يريدها أرباب العمل لتلبية احتياجاتهم. 
       
*رئيس الجمعية الخيرية لدعم طلاب مجدليا الجامعيين

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".