ادّخرت 30 عاماً من الانتظار..

01 تموز 2020 15:47:00 - آخر تحديث: 01 تموز 2020 16:06:00

أنا واحد من الناس الذين اغتربوا، وكان حلم العودة مفتاح الصبر. 30 عاماً وأنا أُعِدُّ نفسي لصباحٍ في بيروت أشرب قهوتي في شارع الحمرا، ومن ثم آخذ "سرفيس" إلى مقهى الروضة لعلّي ألتقي بعضاً من رفاق زمان، أضع نظارتي وأفتش بين الوجوه المستجدة،  وإن وجدت أحداً يعرفني نضحك ونتبادل أرقام الهواتف وأساله (وين في أكل طيب؟)، فأنا لا أريد من بيروت اكثر من ذلك ...

30 سنة وأنا أحلم أن يكون لي بيتا في شبعا، تظلله عريشة  وأشجار صنوبر وبعض السرو وعلى بابه سرية من الورد الداشر، لعلّي أستعيد مشهداً من ذاكرة الثلج، حين كان أبي يراقب نتفه البيضاء وينادي أمي: يا فاطمة أعطني المسّاس (عصا طويلة)، وذلك لينفض الثلج عن الاشجار كي لا تتكسر وهو مجبّر العظام .. 

30 عاماً من الانتظار فاتني أن اكون معهم في يوم وداعهم الأخير.. دائما ما وصلت متاخرا فقرأت الفاتحة وحدي مع ما تيسر من الورود الصامتة فوق القبور .. 

30 عاما جمعت فيها ما استطعت كي أكمل عمري خفيفا "محترما".

سبقني الوطن وخطف تعبي وتركني على قائمة الانتظار "ليقص ما تبقى من شعري" ..

غريب أنا يا وطني أم أنت الغربة؟ منهك أنت أم أنا منتهك؟ جشع أنا أم  أنت مسروق؟ 

كل ما في الأمر أني أفرطت في أحلامي .. لكنك كالحرية أبوابها موصدة بوجه عشاقها، نتوق إليها ولا نصلها، نموت على أدارجها، نذبل في مساكبها،  ولا تموت الحرية؟! نهتف باسمها.. نغنيها وننثرها شعرا.. اعمدة، محرابا، شوارع باسمها.. (صمت) .. لقد استنزفت كل طاقتنا يا وطني، فلا ادري اذا كان لنا في ربوعك مرقد عنزة  نرنو اليه، وخلفنا صوت المؤذن  ينطلق من مئذنة مهجورة او جرس كنيسة يقرع من قرية مجاورة.

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".