تجربتي مع روبير غانم: النشاط والإندفاع ونظافة الكف!

أنور ضو |

كنتُ في بداية عملي كرئيس للمنطقة التربوية في محافظة النبطية يوم تسلّم الأستاذ روبير غانم مقاليد وزارة التربية سنة 1995. كان البلد ينهض من حرب ضروس ويلملم أوضاعه، فبدأ روبير غانم ورشة النهوض التربوي وتعديل المناهج بعد جمود دام حوالي ثلاثين سنة، كما بدأت في عهده نهضة المدارس التي أنهكتها الحرب وأضعفت مستواها.

عملنا معه كخلية نحل وكان القدوة لنا في النشاط والإندفاع ووضوح الرؤيا ونظافة الكف. وما زلت أذكر معه حوادث ثلاث تظهر وطنيته وحرصه على التربية وعلى الميثاقية والتوازن وصلابته في مواجهة العدو الإسرائيلي.

الأولى: أراد الوزير غانم أن يشكل هيئة استشارية للمركز التربوي لاسيما لتوحيد كتابي التاريخ والتنشئة الوطنية وفق ما نص عليه اتفاق الطائف، فقال لي طلبت من وليد بك أن يسمي لي ممثلاً له في الهيئة الاستشارية فسمّى لي الأستاذ جوزيف القزي. فقلت له: "أحسن وليد بك الاختيار فجوزيف مثقف ومربٍّ واشتراكي ويمثلنا جميعاً"

قال لي: "صحيح، ولكن أريد لهذه اللجنة السداسية أن تكون متنوعة وممثلة من الناحية الميثاقية، ولا أريد أن أغيّب عن ورشة المناهج الوطنية طائفةً مؤسسة للكيان اللبناني هي طائفة الموحدين الدروز. ثم جاءني بعد مدة قصيرة قائلاً لي: "عرضت الموضوع على وليد بك، فاقتنع بوجهة نظري وسمّاك أنت، رغم أنه كان يفضّل أن يُمثّل باشتراكي غير درزي تعبيراً عن قناعته بالهوية الوطنية للحزب التقدمي الاشتراكي وعبوره للطوائف والمذاهب. وبدأنا برعايته تلك الورشة الوطنية الصعبة والتي سيكون لنا عنها كلامٌ ذات يوم.

الثانية: أراد الوزير غانم أن يؤسس في كل منطقة تربوية صندوق تعاضد، يديره رئيس المنطقة مع مساعدين اثنين يُختاران من بين مديري المدارس والثانويات، على أن يتغذى من تقاضي 10?? من مداخيل صندوق كل مدرسة بهدف تغطية حاجات المدارس من أجور متعاقدين وبدلات نقل وأعمال نظافة الخ .. وذلك توفيراً على خزينة الدولة المنهكة بعد سنوات الحرب وانهيار العملة الوطنية. وافق رؤساء المناطق جميعاً بحماس وكنت أنا المعترض الوحيد، والحقيقة أن دافعي لذلك كان الخوف من وجود أموال كثيرة في المنطقة فتتسرّب اليها يدٌ غير نظيفة من وراء رئيس المنطقة فيحمل هو مسؤوليتها دون ان تكون له ناقة في ذلك أو جمل.

كما أن هذه الصناديق مشكلة بقرار وزير، فيما المطلوب أن تُشكّل بموجب قانون يصدر عن المجلس النيابي. ولما صار القرار نافذاً طلبت استثناء منطقة النبطية من تنفيذه فرفض الوزير.
في اليوم الثاني جاءتني فكرة وهي أن أكثر من نصف المدارس في محافظة النبطية واقعة تحت الإحتلال الإسرائيلي، ونحن نخوض معركة معه بالتعاون مع مديري المدارس لمنعه من التدخل وعملائه في عمل المدارس التي يسعى لتقديم بعض الخدمات لها، من تجهيزات وترميم وخلاف ذلك. فقدمت كتاباً للوزير شارحاً ذك ومبيّناً له أننا بتقاضي 10?? من أموال المدارس الواقعة في الشرط المحتل نعطي ذريعة للعدو  لمحاولة تغذية هذه الصناديق ، كما نعطي ذريعةً أخرى لبعض المديرين المتذبذبين أن يقبلوها، لذلك أرجو الموافقة على استثناء المنطقة التربوية في محافظة النبطية من قرار إنشاء الصندوق، فتجاوب فوراً قائلاً: "معك حق، فكل شيء يجوز إلا التعامل مع العدو الإسرائيلي". 

الثالثة: بعد العدوان الإسرائيلي في سنة 1996 والذي سمّوه آنذاك  "عناقيد الغضب" حصل دمار واسع في البيوت والمؤسسات والمدارس في المناطق المحررة، وليلة العودة من التهجير اتصلت بزملائي في المنطقة التربوية وطلبت اليهم ان يتوجهوا إلى كل القرى ولو سيراً على الأقدام إذ كانت بعض الجسور مهدّمة، وينقلوا لي، وفق استمارة أعددتها، لوحةً كاملة عن الخسائر الحاصلة في الأبنية المدرسية، ففعلوا، وحملت هذه اللوحة إلى اجتماع صباحي مع الوزير. وحين بدأ الاجتماع طلب الوزير غانم منا التحرك الفوري لإحصاء كل الخسائر في مدارس الجنوب. عند ذلك قدّمت له إحصاءً  كاملاً عن هذه الخسائر في مدارس محافظة النبطية، فاستغرب الحصول عليها بهذه السرعة فيما الناس ما زالت في طريق عودتها إلى مناطق الجنوب، وقال لي: "مكافأةً لزملائك ولك ستكون مدارس منطقة النبطية أولى المدارس التي تحصل على الأموال اللازمة للترميم والإصلاح".

 وبالفعل، عمل باندفاع ومثابرة وسلّمني الشيكات لمديري المدارس من أجل المباشرة في الإصلاح بعد أسبوعٍ واحد من عودة الأهالي إلى بيوتهم وممتلكاتهم.

رحمة الله عليك أيها النائب والوزير والإنسان المميّز، لقد كنت، فوق ما ذكرت، صديقاً شخصياً محباً ومخلصاً، خلوقاً ومتواضعاً.. تعازينا القلبية للسيدة ?ي?يان ولنجليك المفجوعين ولعائلتك الصغيرة والأوسع. ستبقى في البال قدوةً ورمزاً من رموز الوطنية والتربية والتشريع والإدارة والعدل والاعتدال.

(*) مدير عام تعاونية موظفي الدولة سابقاً ومستشار وزير التربية حالياً