تاء الفعل

30 حزيران 2020 14:43:48

دخل لبنان حالة انعدام الوزن. لم يعد يعرف سكّانه مَن الحاكم، ومن المشمول بالأحكام. 

هذا منتهى الضياع. أصبحت البلاد اللبنانية، في طوشان عظيم. 

 الأسئلة كثيرة:  لكنها تُختصر بسؤال واحد، قديمٍ جديد، سأله "أبو تيمور"، وليد جنبلاط، منذ زمان بعيد، فغدا السؤال ماركةً مسجّلة له: "إلى أين؟"

 كنا يومها نستغرب السؤال. ولا نعرف الجواب. اليوم جميع سكان البلاد اللبنانية يعرفونه.

"إلى الهاوية"!

 حين تفرغ البلاد من مالها يستهتر بها جميع الناس، وخصوصاً سكّانها، تماماً مثل "عائل البيت" حين تسأله عائلته النقود.

 أفرغت الجيوب، والمحفظات، والحسابات، من الأرصدة، ومن السحوبات، فبات الجميع، في حالة انعدام الوزن.

 لا نعلم دولة تسطو على مال الناس، لا في القديم ولا في الحديث.

 فَعَلها حكام لبنان، مع زبانيتهم، في الألفية الثالثة.

انتقلوا بعد ذلك للسطو على حريّاتهم. وعلى كراماتهم، وعلى مهنهم. 

 أوكلوا كل شيء إلى الأمن، بحجة الأمن وتترسوا. يريدون سرعة الانقضاض على الناس. فصارت البلاد إلى الشمولية المحضة، ولو بقوانين ليبرالية وديمقراطية.

كيف يهتدي سكان لبنان إلى مستقبلهم في ظل هذه الفوضى العارمة، "من الباب إلى المحراب".

صار سكان لبنان، يعيشون يوماً بيوم، تماماً مثل "القطط الشاردة". يتقلبون على أوجاعهم، وعلى جنوبهم. وينتظرون من يفعل شيئاً لأجلهم. يستعطون مساعدة من أحد، ولو من "يد كلب". فلا يجدون إلّا أفعالاً، غير متصلة ب"تاء الفعل".

لا يتنطّح الحاكم، في أي صعيد كان من مسؤوليته، ويقول: "فعلت لأجلكم كذا". ولا يجدون في المعارضة، من يتنطح منها ليقول لهم: "فعلت لأجلكم كذلك".

ولا يجدون في الدول الشقيقة والصديقة، من يقول: "فعلت لكم هذا".

لم يبق لهم إلا أسرهم. انحسرت أنظارهم إلى عائلاتهم، في الخارج. وسارع الحكام، يمنعون عنهم الماعون.

نجحت السلطات في الأفعال الناقصة. لم يكن بينهم، من هو بأخلاق وأفعال "سيف الدولة". خاطبه المتنبي ذات يوم: 

إذا كنت ما تنويه فعلاً ناقصاً
مضى قبل أن تُلقى عليه الجوازم.

سكان لبنان، في أسوأ أزمانهم، مع أسوأ حكامهم، زائد أسوأ أحزابهم، زائد أسوأ أصدقائهم، زائد أسوأ أعدائهم، ينتظرون من يجرؤ عليهم،  فيقول لهم: "فعلت" ب"تاء ضمير متصلة بفعل"، فلا يجدونه في إنشائهم، ولا أدبياتهم، ولا في لغاتهم، ولا في نحوهم ولا في نحاتهم. صاروا كلهم، "أبا لهب". "ما أغنى عنه ماله، وم اكسب".


 *أستاذ في الجامعة اللبنانية

*هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".