لماذا تخشى القيادة الفلسطينية مؤتمر "وارسو" وتحرض عليه؟

فوزي أبو ذياب |

وسط أزمات الصراع المفتوحة على احتمالات كبيرة وكثيرة وخطيرة في المنطقة، وفي ظل توازن قوى دقيق بين المتصارعين، لا يسمح لأي طرف الادعاء بقدرته حسم النزاع لمصلحته، أو إعلان الانتصار على الطرف الآخر، وحيث لا تزال الولايات المتحدة الأميركية تتعامل مع تلك الأزمات بأسلوب إدارة النزاع وليس حله، وفق إدارتها للأزمة السورية، أو اليمنية أو حتى الأزمة الخليجية بين قطر ودول الخليج ومصر.

برز موقف فلسطيني ملفت ومتميز، يرتكز على قراءة استراتيجية عميقة، محذرا من مخاطر التعاطي الأميركي مع تلك الازمات، ففي خطوة استباقية لنتائج مؤتمر وارسو "الاجتماع الوزاري لتعزيز مستقبل السلام والامن في الشرق الأوسط"  الذي دعت اليه الولايات المتحدة وتستضيفه العاصمة البولندية في 13 و 14 شباط، حذرت السلطة الفلسطينية الدول من المشاركة في المؤتمر معتبرة أنه "مؤامرة أميركية" تهدف الى "تصفية" القضية الفلسطينية.

واعتبرت الخارجية الفلسطينية أن هذا المؤتمر "مؤامرة أميركية تستهدف النيل من استقلالية قرارات المشاركين بالمؤتمر السيادية حيال قضايا جوهرية تعتمد على مواقف مبدئية لهذه الدول، مثل الموقف من القضية الفلسطينية".

الموقف الفلسطيني هذا يرتكز على فهم عميق للسياسة الأميركية – الإسرائيلية، التي تعتبر ان الصراع العربي، الذي يظهر بشكل من الاشكال على أنه صراعاً مذهبياً (سني - شيعي) يعود الى ما يزيد عن ألف عام، كما ارادت واشنطن صبغه في مرحلة من المراحل، هو صراع بين المملكة العربية السعودية وحلفائها من جهة، وإيران وأذرعها وحلفائها من جهة أخرى، وأن هذا الصراع هو الذي يهز المنطقة ويهدد الاستقرار فيها، وليس الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، أو الصراع الإسرائيلي – العربي الذي لم يتجاوز المئة عام، وهذا ما جعل الإدارة الأميركية تعتقد بإمكانية الاستفادة والاستثمار الكبير، في صراعات المنطقة العربية وعلى حساب شعوب هذه المنطقة، والدفع نحو حل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني وفق اتجاه لا ينسجم واهداف وطموحات الشعب الفلسطيني وبرنامجه الوطني.

عندما تقف القيادة الفلسطينية بوحه الإدارة الأميركية، وتشن حملة دبلوماسية ضد مؤتمر (وارسو) وتتحدث عن الأولوية الفلسطينية، ولا تتحدث في الأولوية الإيرانية في الوقت الذي تطالب فيه أميركا حشد القوى العربية الى جانب إسرائيل على أولوية مواجهة إيران، وفي سياسة غير مضمونة النتائج، وغير واضحة الوسائل والأساليب، إن الفلسطيني يستشعر بالخطر الاستراتيجي على مستقبل قضيته – القضية العربية المركزية، وفي ذلك درجة عالية من الاشتباك السياسي، التي تنعكس على المشهد العام في الشرق الأوسط، والمدخل الفلسطيني لقراءة هذا المشهد الذي يؤثر على منظومة العمل العربي المشترك، ويؤثر على منظومات دولية، يؤثر كثيرا على المواجهة الفلسطينية، رغم الصعوبات التي تواجه الفلسطينيين في انقسامهم الداخلي.

إن الحضور السياسي والدبلوماسي الفلسطيني على المسرح الدولي، وصل الى ذروته عندما تسلمت فلسطين رئاسة مجموعة الدول الـ (77+ الصين) واقترحت من اللحظة الأولى، تطوير التمثيل الفلسطيني ليصبح (دولة تحت الاحتلال)، وليس (دولة مراقب) داخل الأمم المتحدة، وهذا الأمر يجب قراءته بعناية من حيث قدرة الفلسطيني على حشد القوى السياسية والدبلوماسية، وعلى حركة المجتمعات الفلسطينية سواء في الوطن أو في الشتات، في جعل المسألة الفلسطينية غير قابلة للتلفيق، غير قابلة للتجاوز، غير قابلة للكسر من خلال (صفقة القرن) التي تلوح بها واشنطن.

هذا التطور الدبلوماسي الفلسطيني تخشى عليه القيادة الفلسطينية من أن يضيع في أدراج (وارسو)، والذي يهدف نحو دفع الدول المشاركة فيه إلى تبني مواقف الإدارة الأميركية من القضايا المطروحة وتحديدا القضية الفلسطينية (صفقة القرن)، وحيث من المرتقب ان يحضره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو المؤتمر الى جانب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ومستشاري الرئيس الأميركي، جاريد كوشنير وجيسون غرينبلات، إلى جانب قادة وزعماء دول عربية وإسلامية، ويخشى أن يحقق الالتفاف على المساعي الفلسطينية التي نجحت في مواجهة صفقة القرن والمشاريع المماثلة التي سبقتها، ولذلك استبقت القيادة الفلسطينية المؤتمر وأعلنت أنها "لن تتعامل مع أية مخرجات لهذا المؤتمر، وسوف تتمسك بمواقفها الثابتة وتواصل مساعيها وكأن هذا المؤتمر لم يعقد".

نحن هنا إزاء توازنات غير قابلة للكسر في الحالة الفلسطينية، نتيجة التمرس الطويل في الصراع، مع الإسرائيليين، ونتيجة العزلة الإسرائيلية على مستوى القانون الدولي، وعلى مستوى الحركة الدبلوماسية، حيث أن غالبية ساحقة في العالم تؤيد الحق الفلسطيني، والاستحقاق الفلسطيني، وهنا يجب التوقف قليلا أمام أهداف (صفقة القرن) ومعنى الحق، والاستحقاق، أي عدالة القضية، وضرورة بناء دولة.

ترى القيادة الفلسطينية، أن "صفقة القرن" عنوان الأطروحة الأميركية الحالية لحل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، وهو مشروع محدَّث  لمقترحات قديمة سبق ان تم اقتراحها على الفلسطينيين ولاقت رفضاً مطلقاً، وهذه المقترحات تتعامل مع القضية الفلسطينية على أنها حالة إنسانية، اقتصادية، ديموغرافية، وأنها قطعة يمكن تفكيكها، وإعادة ربطها سواء بالأردن أو بمصر، كأن تربط الضفة الغربية بالأردن وقطاع غزة بمصر، والتعامل مع الأقلية العربية (عرب 48) بوضعها تحت مطرقة قانون القومية اليهودية، بعيدا عن مشروع حل الدولتين، وحق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولة مستقلة.

هذا الأمر حصل عام 1948، ويعاد تكراره اليوم بتجميليات طفيفة تستبدل فكرة (الحكم الذاتي)، بـ (إدارة ذاتية للسكان)، فـ(الحكم الذاتي) ينطوي على درجة من السيادة على الأرض، أقرب إلى مفهوم الدولة ذات السيادة وفق القانون الدولي، لكن مصطلح (إدارة ذاتية للسكان)، له ارتباط بمفهوم الكيانية، ولا صلة له بطموحات وأحلام وحقوق الشعب الفلسطينيين بأن يكون لهم دولة مستقلة ذات سيادة يطورون هويتهم ومصالحهم ويبنون مستقبلهم عليها.

اصطدم المشروع الإسرائيلي منذ العام 1948 مرورا بعام 1967 وبعد عدوان 1982 واتفاق أوسلو، بفاعلية فلسطينية متنقلة سواء في الداخل الـ48 او في الضفة وغزة، وفي الشتات، وفي بقاع الأرض التي تشهد أنشطة ودينامية فلسطينية مستمرة، اصطدمت بحراك فلسطيني يرفض الحلول المنقوصة غير القابلة للحياة، ومكنت القادة الفلسطينيين من الصمود والإصرار على البرنامج الوطني الذي شكلت السلطة الوطنية احد حلقاته، وطرح برنامج للسلام على قاعدة حل الدولتين من أجل إقامة الدولة الفلسطينية.

ومع ارتفع منسوب الهجمة الأميركية - الإسرائيلية المضادة، وفي الوقت الذي أصبحت إمكانات إقامة دولة فلسطينية غير مرئية في الواقع، بحكم مشاريع التهويد ومصادرة الأراضي وتقطيع أوصالها، ذهبت القيادة الفلسطينية الى نقطة الضعف الإسرائيلية المركزية، لتقول "إذا لم توافقوا على خيار حل الدولتين، فنحن جاهزون للخوض في خيار الدولة الواحدة ثنائية القومية"، وإذ يبدو هذا الكلام كأنه رد فعل او هروب الى الأمام، لكنه عكس ذلك تماماً، فقانون القومية اليهودي الذي يعمل عليه البرلمان الإسرائيلي، يحاول تكريس يهودية دولة إسرائيل، لعزل الفلسطينيين داخلها تمهيداً لإقصائهم، بمختلف وسائل وأدوات الاضطهاد، ويجعل الإسرائيلي غير قادر بالمطلق على السير في أحد الاتجاهين، يرفض الدولة ثنائية القومية، كما يرفض خيار الدولتين، وبالتالي يصبح طرح (صفقة القرن) استمرار للوضع القائم على حاله ودفعه نحو مزيد من التأزم، وهذا ما ادركته تل أبيب وواشنطن، وتحاول الالتفاف عليه من خلال تصعيد التأزيم الإقليمي على خلفية الصراع العربي – الإيراني وتحشد الطاقات الدولية من أجله.