الألسنة المقطوعة لا تستطيع أن تغنّي نشيداً واحداً!

23 حزيران 2020 17:09:48

منذ سنين، وسنين طويلة، تخيّلنا كل شيء، حتى المستنقع الذي وصلنا إليه... إلّا أننا لم نتخيّل بأن الحرية ستُسجن في وطن الحريات... في هذا الوطن الذي يتنفس بالحرية، وشعبه والحرية توأمان، إذا رحل أحدهما رحل الآخر. الأفواه المكمّمة لا تستطيع أن تتّفق، والألسنة المقطوعة لا يمكن أن تغنّي نشيداً واحداً. المقالات الحرّة تعبّر عن الشعوب. والصحف المقيّدة تصبح ألسِنة الحكام. وهكذا أصبحنا. وفي بعض الدول العربية نجد صحيفة تصدر من أجل قارئ واحد هو الحاكم ، ولا يهمّها إلّا أن ترضيه، ولا تعبأ إلّا بما يهمّه، وتحذف من الأخبار ما يضايقه، وتشطب من التعليقات ما يغضبه!

ومن العجب أننا لم نستفِد من دروس التاريخ. لقد كانت ألمانيا دكتاتورية وخسرت الحرب. وكانت إيطاليا دكتاتورية وخسرت الحرب. وكانت اليابان دكتاتورية فخسرت الحرب. فماذا فعلت كل هذه الدكتاتوريات المهزومة. أول ما فعلته هو أنها دفنت الدكتاتورية تحت أنقاض الهزيمة، واعتنقت الديمقراطية. وبالديمقراطية، والحرية، والعدالة عوّضت خسائرها، وأصبحت ألمانيا واليابان أغنى دولتين، وتقرضان بريطانيا ودولاً كثيرة غيرها من الدول التي هزمتها في الحرب. ماذا كان يحدث لهذه الدول لو كانت قد تمسّكت بحكم الفرد، وبالرأي الواحد، وبالمعتقلات والسجون؟ كانت ستبقى مهزومةً، محطمةً، مسحوقة، ترفع الشعارات، وتصدر الاحتجاجات، وتطلق التصريحات. ولكانت المعتقلات، والقيود، والسلاسل، مكاسب ثورية لا يجوز التفريط بها. وإذا كانت الزهور والورود في حاجة إلى الهواء والشمس كي تتفتح وتورد، فإننا إذا حرمناها من الشمس والهواء ذبلت وماتت. كذلك الصحافيون، والمناضلون، والثوار من خلال حريتهم، وحرية تعبيرهم، ومناقشتهم، وإعطائهم مساحات من الحرية والتي يستطيع الوطن أن يتنفس بواسطتها.

والقرارات التي صدرت أخيراً، والتي تقيّد الحرية، تجسّد رصاصة الرحمة في جسد الوطن المعذب. الوطن الذي فسدت فيه كل الملفات السياسية، والاجتماعية، والبيئية، والمالية. هذا الوطن لا يستطيع تحمّل تقييد حرية أبنائه. وأنا، وبكل تواضع، مع الحرية ولكن شرط أن تلتزم بالنقد السياسي وبالنقد على كل الأصعدة. وباستثناء الأمور الشخصية، أو شخصية المواضيع، والشتائم، والانحطاط بالخطاب إلى مستوى الإساءة الشخصية تصبح هذه الحرية بلا ضوابط وفوضى حقيقية! لذلك وعلى قدر ما نُصرّ على إبقاء الحرية ملعباً لكل المناضلين الأحرار، ولكل الثوار، على قدر ما نُصرّ على الابتعاد عن التعرض بالشخصي. 

وفي عصر الألفية الثالثة نتطلع، وبكل آمال الدنيا، إلى لبنان الحر السيّد المستقل من جديد، المفعم بسرّه الأبدي، الحرية المسؤولة. ونتطلع إلى رؤية مَن يقود البلاد برؤيا وباستراتيجية واضحة بعد أن أصبحنا أضحوكة في فم الأُمم ! الملفات كثيرة، وسقطت بامتياز حتى تاريخه ولن نغوص فيها.

فهل من بقية ضمير، وبقية إرادة، وبقية إصرار على إعادة الصورة التي كانت للبنان الرسالة. لبنان الحرية. لبنان الخمسماية ألف جامعي الذين يجسّدون ثروة إنسانية تستطيع صنع المعجزة، شرط وجود الحاكم الرزين الهادف إلى إعادة المجد التليد، والبدء في الخطوة الأولى من مسافة الألف ميل، شرط أن تتفيّأ بالحرية!!