خطوتان إضافيتان ساهمتا في تراجع الثقة بلبنان

23 حزيران 2020 07:29:09

من المعروف في العلوم السياسية أن النتائج هي محصلة للخيارات، ويقول المثل الشعبي اللبناني «عند الامتحان يكرم المرء أو يهان». يسجل على الحكم والحكومة في لبنان إخفاقان دامغان قاما بهما في الوقت القاتل وسط انهيار غير مسبوق للوضعين المالي والاقتصادي، وفي زمن تحتاج فيه البلاد إلى أية «قشة» تساعدها بالنجاة من هول الغريق.

لكن ما حصل كان بمنزلة الاستنزاف لما تبقى من مصداقية للدولة وكشفها أمام الاستحقاقات المرتقبة، لاسيما في مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي، وفي مواجهتها مع الانتفاضة الشعبية الناقمة على حالة الفقر والفساد والاعوجاج في مسار العدالة.

الخطوة الأولى كانت في رد رئيس الجمهورية لمرسوم التشكيلات القضائية التي أقرها وأكد عليها بالإجماع مجلس القضاء الأعلى وأصبحت مبرمة وفق القانون، ووافق عليها أيضا الوزراء المختصون ورئيس الحكومة.

والمادة 56 من الدستور تنص على صلاحية رئيس الجمهورية بإصدار المراسيم وطلب نشرها، ولا يوجد أي نص يشير الى حق رئيس الجمهورية بردها الى رئاسة الحكومة، بينما له الحق في الطلب من مجلس الوزراء اعادة النظر في أي قرار خلال 15 يوما.

وإضافة الى الانعكاسات السلبية الواسعة التي أصابت لبنان والسلطة القضائية جراء هذا التدخل الفاضح، فقد أثار تعليل رد المرسوم إشكالية دستورية، لأن الدستور لم يتحدث عن صلاحية للرئيس في رد المراسيم العادية، واذا ما نفذ هذا العرف فقد يؤدي الى تعطيل كل الانتظام العام في مؤسسات الدولة، لأنه يعني الحصول على موافقة مسبقة من رئيس الجمهورية قبل الشروع في كتابة أي مرسوم عادي، ويؤدي أيضا الى القضاء على أي تنوع سياسي داخل مجلس الوزراء الذي يتألف مناصفة بين المسلمين والمسيحيين.

الخطوة الثانية كانت في التعيينات التي صدرت عن الحكومة، والتي شملت مجموعة من موظفي الفئة الأولى في بعض القطاعات المهمة، لكنها تجاهلت الشغور في قطاعات أكثر أهمية، لاسيما مجلس إدارة كهرباء لبنان والهيئة، الناظم للقطاع، الذي كان له الدور الأساسي في انهيار مالية الدولة، وفقا لاعتراف وزير الطاقة السابق جبران باسيل، والذي اعتبر أن الأموال ذهبت الى الناس وليس الى جيوب الذين أداروا القطاع.

الغريب في أمر التعيينات التي اصدرها مجلس الوزراء في 10 يونيو كونها سبقت نشر قانون آلية تعيينات موظفي الفئة الأولى في الجريدة الرسمية، بعد أن أقره مجلس النواب في جلسته التشريعية التي عقدت في قصر الأونيسكو في 26/5/2020، والذي اعتمد معيار الكفاءة في عملية التعيين، بينما التعيينات كانت محاصصة بين شركاء حكومة اللون الواحد، وبدا فيها تسابق مع التواريخ، قبل أن تنفذ شروط السن عند بعضهم، ومهل نفاذ القانون المشار إليه عند البعض الآخر.

أدت الخطوتان المتسرعتان الى تلاشي الثقة بالحكم والحكومة الى الحدود الدنيا، بينما الحاجة ملحة اليوم الى هذه الثقة وأكثر من أي وقت مضى، لأن تراجع منسوب الاطمئنان لسياسة الدولة كان السبب الرئيسي للانهيار، وخياراتها غير المحسوبة أدت الى هذه النتائج الكارثية. إن التخبط الكبير الذي يمارسه النافذون في مؤسسات الدولة ينذر بكارثة حقيقية على البلاد.

والكلام عن عدم التدخل في شؤون القضاء لا ينطلي على أحد، بينما حديثهم عن البدائل الاقتصادية الشرقية المتاحة أمام لبنان ضرب من الأوهام، فلو كانت هذه الخيارات ناجعة لكان الأولى بها أن تعالج الانهيار التي تعيشه أسواق سورية وإيران.

على أمل أن تتمكن طاولة الحوار من اعادة تصويب العقل غير القادر على الحكم - على حد تعبير النائب السابق بطرس حرب - من خلال تبني سياسة حيادية وإستراتيجية دفاعية ورفع اليد عن القضاء، ربما حينها ينبعث الأمل مجددا في إمكانية الإنقاذ.