بغداد تفاوض واشنطن وتمد يدها عربياً.. فهل تنجح مساعي الكاظمي؟

23 حزيران 2020 05:15:00

أظهر استطلاعٌ للرأي أجراه "المعهد المستقل للإدارة ودراسات المجتمع المدني" تهاوي شعبية إيران بين العراقيين إلى أدنى مستوياتها منذ أعوام، وذلك لمصلحة الولايات المتحدة التي صوّت لها ضعف عدد الذين صوّتوا لإيران. وتشير نتائج الاستطلاع أنّه لإيران قبولاً لدى 15 في المئة فقط من العراقيين، في حين يفضّل نحو ثلث العراقيين، أي 33 في المئة على الأقل، الولايات المتحدة، وذلك كما قالت قناة "الحرة عراق" لدى تقديمها لنتائج الاستطلاع. وتشير هذه الأرقام إلى تراجعٍ حاد في قبول إيران في الشارع العراقي بعدما كانت هناك مشاعر إيجابية نحوها لدى حوالي 70 في المئة من العراقيين عام 2017".

تراجُع التأييد الشعبي العراقي لإيران يأتي في الوقت الذي بدأت فيه الولايات المتحدة والعراق "حواراً استراتيجياً" لتحديد مستقبل علاقتهما حيث عقد الجانبان جولة أولى من المحادثات، أعقبها صدور بيان مشترك أشار إلى التزام واشنطن بتقليص عديد القوات الأميركية المتمركزة في العراق، وتوسيع شراكتهما لتشمل المزيد من التعاون الثقافي والاقتصادي. وفي البيان المشترك أكّد العراق التزامه بحماية القوات الأميركية المتبقية والمنشآت الدبلوماسية.

يُجمع العديد من الخبراء على أن الأحداث الأخيرة التي جرت في العراق - أي منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية، مروراً بعملية اغتيال قاسم سليماني، ورفيقه أبو يحيى المهندس، قرب مطار بغداد، وصولاً إلى المطالبة الإيرانية بخروج القوات الأميركية من العراق، وما أعقبها من تكليفٍ للكاظمي تشكيل الحكومة الجديدة - تدفع العراق بعيداً عن السير في فلك إيران، حيث أن "توقيت الحوار ليس في مصلحة إيران، ولا وكلائها العراقيين". لكن بعض الخبراء يعتقدون أنه، "بعد أشهرٍ من الاحتجاجات في العراق ضد نفوذ إيران، وسوء الإدارة، والفساد، ومشاعر الاكتئاب في إيران بسبب وباء كورونا، وتدهور الاقتصاد، وعدم مقدرة طهران على تقديم أي دعمٍ قيّم للعراق، لم يترك ذلك لبغداد مساحة كبيرةً للسير في اتجاهَي واشنطن وطهران معاً". لكن ذلك لن يمنع طهران من أن تبقى "لاعباً مؤثراً" في السياسة العراقية في المستقبل المنظور".

مما لا شك فيه أن الصراع الذي فتحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مع النظام الإيراني، وانسحابه من الاتفاق النووي، شكّلا عاملاً مساعداً ومؤثراً في تحولات الشارع العراقي، حيث استطاع العراقيون أن يلمسوا ضعف الهيمنة الإيرانية، وعدم قدرتها على التحكّم في مسار الأحداث الداخلية بشكلٍ منفردٍ بعيداً عن التغطية الأميركية، وبحيث انكشفت أمام النُخب الوطنية العراقية صورة المرحلة الانتقالية التي انطوت فيها صفحة التعاون الأمني، والعسكري، والسياسي الإيراني – الأميركي العميق المعلن وغير المعلن، والذي كان سائداً في العراق وفي أفغانستان، وأن نقطة الذروة للنفوذ الإيراني انتهت، خاصةً بعد توجيه الضربة الاستثنائية لقاسم سليماني، حيث دخل العراق مرحلة انتقالية جديدة تراجع فيها النفوذ الإيراني إلى حدود تقديم التسهيلات الاسترضائية للعراق من أجل الحفاظ على نمطٍ من العلاقة مع أميركا لتقطيع الوقت، وتجاوز الانتخابات الأميركية المقبلة، والتي تتزامن مع الانتخابات التشريعية العراقية أيضاً.

ضمن هذا السياق، انطلقت جلسات الحوار العراقي – الأميركي، والتي استمرت يومين في بغداد على مستوى الخبراء، والتي ترأس الوفد الأميركي فيها، مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية في الشرق الأوسط دايفيد هيل، وهو متمرسٌ في مهمّته حيث كان سفيراً في فلسطين، ولبنان، ويتحدّث اللغة العربية، وهو يُعتبر من الخبراء المناصرين للعرب، ومن الذين يسعون للوصول إلى حلولٍ إيجابية. وكان في الجانب العراقي، إلى جانب رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، مجموعة من الخبراء المتفرغين لإنتاج مسودة اتفاق، أو معاهدة، أميركية – عراقية جديدة.  

مصادر عراقية متابِعة لجلسات الحوار لخّصت للأنباء النتائج الأولية بالنقاط التالية:  

لقد تمحورت عناوين الجولة الأولى حول قراءة الوضع الأمني، وضرورة استكمال السيطرة والتحكّم العسكري والأمني لمصلحة الدولة على حساب الميليشيات والفصائل الأخرى. وكذلك قراءة في حالة السلطة التنفيذية والإصلاح الحكومي المطلوب، والتوقف أمام الموضوع الاقتصادي باعتباره أولوية لإعادة التوازن الداخلي، والمالي، والاجتماعي، لتلبية مطالب الحراك الشعبي بشكلٍ ما، إلى دراسة مستقبل الوجود العسكري الأميركي في العراق، بما يضمن استقرار الجبهة السياسية والدبلوماسية العراقية.

كانت لهذه العناوين مرجعيتها المرتبطة بـ "اتفاقية الإطار الاستراتيجي للعام 2008"، بحيث أن هذه الاتفاقية ما زالت سارية المفعول، وما زالت تحكم بنية العلاقات الأميركية – العراقية الداخلية وتوجّهها باستمرار، لذلك نحن لسنا أمام حدثٍ ينفصل عن ماضيه، لا بل مرتبط بسياقه التاريخي.

هناك توافق أميركي – عراقي على ضرورة أن لا يُختصر الحوار الرسمي بين الحكومة العراقية والخارجية الأميركية، بل يجب أن يتوسّع ليشمل السلطة التشريعية، ومكوّنات العراق الإثنية من أكراد، وسنّة، وشيعة، وتركمان وغيرها من الطوائف والأحزاب، وقوى المجتمع المدني، والاستجابة لكافة الأسئلة التي تُطرح على المستويين الرسمي والشعبي لضمان استقرار الجبهة السياسية الدبلوماسية في العراق.

استراتيجية رئيس الحكومة الجديد، مصطفى الكاظمي، ترتكز على مواجهة التحديات الحاسمة والمؤثرة، ومعالجة جائحة كورونا، والاستمرار في محاربة "داعش" وخلاياها النائمة، وإنقاذ الحالة الاقتصادية من حالة الإفلاس التي وصلت إليه من عدم القدرة على دفع رواتب الموظفين، والاستجابة لحركة الشارع وطمأنته، وبناء جسور الثقة مع الناشطين فيه، وإيجاد حلٍ للحشد الشعبي من خلال دمجه ضمن القوات العسكرية العراقية، واعتباره جزءاً من الدولة العراقية.

لذلك فإن استراتيجية الكاظمي بعناوينها الخمسة، شهدت عدة إجراءات ميدانية لبناء الثقة مع الشارع. لكن المعركة الكبرى أمام الكاظمي ليست في تشكيل الحكومة فقط، بل في تشكيل مكتب رئيس الوزراء والسيطرة على مكوناته. وهذا المكتب هو بمثابة غرفة العمليات الأساسية في العراق، لأنه يضم مجلس الأمن القومي، وقيادة عمليات القوات الخاصة، وقيادة الحشد الشعبي، وقيادة جهاز المخابرات الوطني، وهذا ما تناوله الحوار أيضاً تحت عنوان تنقية وزارة الداخلية من نفوذ "منظمة بدر" الإيرانية.

ورأت المصادر أن "العراق أمام نقاشات معمّقة لإعادة الهيبة إلى الدولة ومؤسّساتها الرسمية، وفي مقدّمها الدفاع والداخلية، حيث يتولى مهامهما وزيران مستقلان من ذوي الكفاءة. وبالتالي يمكن القول إن الجولة الأولى من المفاوضات خطت خطوةً جديدة في البناء العراقي الاستقلالي عندما أعلن الوفد العراقي أنه أنجز وثيقة المبادئ الأساسية، وهي التي ستشكّل المرجعية الخلفية لإنتاج الاتفاق، أو المعاهدة الدائمة مع الولايات المتحدة الأميركية وفق ما ينشده الطرفان".

وإلى جانب التقدّم التدريجي الذي تحرزه الحكومة العراقية الجديدة، لا يمكن التغاضي عن الدعم الذي يحظى به الكاظمي من رئيس الجمهورية، برهم صالح، بما يمثّل من علاقةٍ ومكانة داخل المكوّن الكردي والسنّي، إضافةً إلى الدعم الكامل من مرجعية السيستاني التي باركت فكرة دمج الحشد الشعبي بكامل مكوّناته ضمن عديد الجيش العراقي، وذلك حتى لا تبقى أي قوةٍ عسكرية تتصرف بشكلٍ منفرد، أو لها أي استقلالية في القرار السياسي، أو العسكري الداخلي أو الخارجي، وفي الأمن، أو في الدفاع.

الترحيب العربي والدولي له مغزاه العميق، بأنه ثمة يداً ممدودة لدعم التجربة العراقية الجديدة، والحرص على إنجاحها، واعتبارها نموذجاً جديداً للخروج من أزماتٍ متشابكة معقّدة بعواملها الداخلية والخارجية، والتي قد تنطبق لاحقاً على لبنان، وعلى سوريا، واليمن التي تتشابه مكوّناتها، وتتداخل أزماتها الداخلية مع الأزمات الخارجية الإقليمية والدولية.