مشهد يذكّر ببداية الثورة السورية... درعا تهتف مجددا لاسقاط النظام

22 حزيران 2020 15:30:00 - آخر تحديث: 25 حزيران 2020 05:44:28

في مشهد يذكّر بسوريا بداية سنوات الثورة، عادت المظاهرات إلى الواجهة مجدداً. فقد خرج أهالي مدينة بصرى الشام في ريف درعا، في مظاهرة ضمّت آلافاً تطالب بإخراج الميليشيات الإيرانية، و"حزب الله" اللبناني، من البلاد، وذلك في مظاهرة هي الأكبر منذ المصالحات التي أجرتها روسيا في تلك المنطقة، التي استعاد النظام تواجده المحدود فيها في العام 2018. وهتف المتظاهرون ضد النظام ونادوا بإسقاطه، وحمّلوه المسؤولية الكاملة في استمرار الفلتان الأمني في المحافظة، وطالبوا بخروج الميليشيات الإيرانية وحزب الله اللبناني من سوريا.
كما خرجت مظاهرة أخرى في بلدة الجيزة في الريف الشرقي لمحافظة درعا والتي طالبت بإسقاط الأسد، وإخراج المعتقلين القابعين في أقبية النظام. وقد تزامنت تلك التظاهرات مع تشييع عددٍ من عناصر "الفيلق الخامس" التابع لروسيا ،والذي أنشأته من مقاتلين سابقين في صفوف فصائل المعارضة ممن أجروا تسويات ومصالحات، وكانوا قُتلوا بانفجار استهدف حافلةً تقل 40 عنصراً من اللواء الثامن قرب بلدة كحيل شرقي درعا، والذي أسفر عن مقتل 12عنصراً، وإصابة 25 بجروح، بالإضافة إلى إصابات في صفوف المدنيين، وحيث توجهت أصابع الاتّهام إلى الميليشيات الطائفية بالوقوف خلف التفجير.

وأظهرت شرائط مصورة الآلاف من أبناء بصرى الشام، وبلدات درعا، يهتفون، "ضبّي كلابك يا إيران... درعا أشرف من طهران". كما هتفوا، "يا حزب الله ويا إيران هي الثورة يا خوّان"، و"عاشت سوريا ويسقط بشّار الأسد"، و"سوريا لينا، وما هي لبيت الأسد".
وكانت فعاليات مدنية في محافظة درعا قد وجّهت دعوات للتظاهر في جميع مدن وبلدات درعا، وذلك في محاولةٍ للضغط على روسيا والنظام السوري لوقف التصعيد، ومنع تدهور الوضع نحو الحرب، بعد أن رُصدت تعزيزات جديدة استقدمها النظام إلى المنطقة من قوات الفرقة الرابعة، ووسط تهديدات بعملية عسكرية واسعة النطاق، تشمل درعا والسويداء.

وتستقدم قوات النظام، منذ أيام، تعزيزات عسكرية تشمل عشرات العناصر وأعتدة ثقيلة توزّعت على عددٍ من المواقع في مدينة درعا وريفها الغربي. وذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان أن التعزيزات توجّهت بشكلٍ خاص إلى بلدة إبطع شمال درعا، إضافةً إلى وصول رتلٍ عسكري يضم آليات ثقيلة إلى جسر خربة غزالة، فيما دخل رتلٌ آخر إلى منطقة البانوراما بدرعا المحطة، رفقة آليات تابعة للقوات الروسية.

وكان المرصد السوري قد أشار قبل أيام إلى أن محافظة درعا تشهد تصاعداً في الصراع الخفي بين الفيلق الخامس الذي أنشأته روسيا من جانب، والفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد، شقيق رئيس النظام السوري من جانب آخر. ويتمثّل الصراع الخفي بالمحاولات المستمرة من كل جانب لفرض نفوذه الكامل على درعا، فبعد أن ثبتت قوات الفيلق الخامس نفوذها وباتت القوى الأكبر على الأرض هناك، عادت الفرقة الرابعة إلى الساحة مؤخراً.
ووفقاً لمصادر المرصد السوري، فإن الفرقة الرابعة تسعى لاستقطاب الرجال والشبان، وخاصة المقاتلين السابقين لدى الفصائل، مقابل رواتب شهرية وإغراءات أخرى. واستطاعت استقطاب دفعة مؤخراً تضم العشرات، وجرى زجّهم على الحواجز بعد إخضاعهم لدورات عسكرية بريف درعا الغربي. في المقابل لا تزال كفة الروس راجحةً عبر الفيلق الخامس الذي يضم مقاتلين سابقين لدى الفصائل ممن رفضوا التهجير، وأجروا ما يسميه النظام "تسوية ومصالحة".

وتعليقاً على الخلافات المتصاعدة بين روسيا وإيران في سوريا، والتي بدأت تأخذ طابعاً عنيفاً رأت مصادر مطلعة في اتصالٍ مع الأنباء أن، "الهدف الأساسي للتحالف بين طهران وموسكو في سورية هو الإبقاء على نظام بشار الأسد واقفاً على قدميه. وهذا الهدف سقط مع قانون قيصر". وبالتالي فإن الخلافات وتضارب المصالح والمنافع بين موسكو وطهران باتت أكثر وضوحاً.
وباتت روسيا تدرك إن الهيمنة الإيرانية المُحكمة في سوريا تهدّد بيئة الاستقرار التي تحاول موسكو تأسيسها لجذب الاستثمارات الغربية والخليجية. علاوة على ذلك، فإن ترك ميناء اللاذقية الذي يبعد 70 كيلومتراً عن قاعدة طرطوس البحرية بيد إيران، هو من القضايا التي تثير قلق ومخاوف موسكو، لأن إحكام إيران سيطرتها على ميناء اللاذقية يمكّن طهران من الوصول بسهولة إلى أسواق أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط، كما يمكّنها من تقديم الدعم اللوجستي والسلاح إلى حزب الله اللبناني بسهولة. وهذا سيساهم في جعل المنطقة هدفاً للهجمات الإسرائيلية المحتملة، وفي إلحاق الضرر بمكاسب موسكو في المنطقة، وإبقائها في حالة توتر واضطراب دائم بسبب الهجمات الإسرائيلية هذه.
القضية الأخرى المهمة والتي تثير انزعاج موسكو هي أنشطة إيران في منطقة دير الزور، حيث تسعى إيران إلى الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، وتوسيع سيطرتها على مناطق البوكمال ودير الزور الواقعة على محور الطريق البرّي الذي يربط العراق بلبنان عبر سوريا. ففي حين تعمل طهران في هذا السياق على تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، تعمل في الطرف الآخر على تنفيذ سياسة هندسة ديموغرافية وتشييعية كثيفة في المنطقة. وهذا ما لم يلقَ ترحيباً من قِبل موسكو التي وضعت عينيها على النفط الموجود في جنوب سورية.

وكشفت المصادر، أنه "من أجل تخفيف ارتباط دمشق بالميليشيات الموالية لإيران، قامت موسكو بتشكيل قوات شبه عسكرية يُختار عناصرها بعناية من قبل روسيا، لتعزيز قدرة الوحدات القتالية التي تعمل تحت إمرة الأسد، ومنها الفيلق الخامس". وهذا ما يجعل الصراع بين موسكو وطهران ساخناً بين الحين والآخر، حيث كانت مدن حلب، واللاذقية، ودير الزور، طوال عام 2019، ساحةً للعديد من النزاعات بين الميليشيات الموالية لكلا الطرفين.
 وتخلص المصادر إلى القول إن، "إيران باتت لاعباً غير مرغوب فيه في سوريا، ولن تكون ضمن الحل السياسي القادم، ولا في استثمارات إعادة الإعمار، والتي قد تبدأ بعد 10 سنوات من الحرب الدموية. ومع ذلك فمن غير المتوقع - كما يبدو - أن تُقدِم موسكو على اتّخاذ خطوات من شأنها قطع الخيوط تماماً مع طهران في هذه المرحلة. غير أن تعزيز عملية الحل السياسي، ومواصلة إيران محاولاتها للحصول على مكتسبات عسكرية على الأرض، سيعملان على توسيع الهوة أكثر بينها وبين موسكو في الأيام المقبلة.