أين فصل السلطات يا سادة؟

20 حزيران 2020 19:45:23

الدستور ثقافة قبل أن يكون مواداً قانونية. والدستور روحية قبل أن يكون نصوصاً مكتوبة تتلاحق بالأرقام والتبويب لتنظيم الحياة السياسية. ثمة قول شهير لجورج واشنطن، الرئيس المؤسس للولايات المتحدة الأميركية بين عامي 1789 و1797 (عام الثورة الفرنسية، بالمناسبة) وهو: "الدستور هو المرشد الذي لن أتخلى عنه أبداً". هذا الكلام  قيل في القرن الثامن عشر! أما أرسطو، كبير الفلاسفة، من اليونان القديمة، فقال: "الدستور هو ترتيب مناصب الحكم في دولة ما". الدستور وفكرته يضرب في التاريخ العميق. 

أما عبارة "شو بيقول الكتاب" الشهيرة فتعود إلى الرئيس اللبناني الراحل فؤاد شهاب (تولى الحكم بين عامي 1958 و 1964)، وكان يقصد فيها بطبيعة الحال الدستور. وهو الرجل الذي قدم تجربة إستثنائية وفريدة على صعيد إحترام الدستور (وقد رفض تجديد ولايته الرئاسية رغم توفر الأكثرية النيابية المطلوبة لذلك، على عكس بعض الرؤساء الذين لبسوا أيضاً البزة العسكرية وإستعانوا بالمحاور الإقليمية لتمديد فترة رئاستهم غصباً عن إرادة اللبنانيين).

مناسبة هذا الكلام اليوم أن مسلسل التدهور اللبناني لا يقتصر على إنهيار قيمة العملة الوطنية والإفقار المنهجي للبنانيين (وقد تصل نسبة الفقراء إلى خمسين بالمئة من الشعب اللبناني وفق توقعات الهيئات الدولية) ولا يقتصر كذلك على تقهقر العلاقات العربية والدولية (والدعوة إلى الإلتفات نحو الشرق مثال عملي على ذلك)، وسقوط منظومة القيم السياسية والأخلاقية التي يفترض أن يتحلى بها أي مجتمع.

مناسبة هذا الكلام تتصل بأداء يشهده اللبنانيون القلقون على مستقبلهم وهم محقون في ذلك!

المجلس النيابي يصدر قانوناً يحدد فيه آلية التعيينات في الإدارة العامة، فتواصل الحكومة تعييناتها وفق قاعدة "المحاصصة" (الكفاءة شأن آخر)، دون أي إعتبار للقانون الذي صدر! أين فصل السلطات؟

مجلس القضاء الأعلى يصدر سلة من التشكيلات القضائية بعد عمل مضني لأشهر طويلة، ويحولها إلى المرجعيات الرسمية المختصة، فتمتنع عن توقيعها وتعيدها إلى حيث أتت. وورد في التعليل الرئاسي (بصياغة أحد المستشارين جهابذة القانون والدستور)، "واجب رئيس الجمهورية التدخل بمعرض المناقلات القضائية إذا ما رأى أن ثمة خللاً حاصلاً من شأنه أن يمسّ وحدة السلطة القضائية وإستقلاليتها".

أليس في هذا البيان إعتراف واضح وصريح بتدخل رئيس الجمهورية في صلاحيات القضاء (الذي لم يصبح سلطة قضائية بسبب التمنع السياسي حتماً)، ألا يشكل هذا التدخل بذاته مسّاً بوحدة السلطة القضائية وإستقلاليتها؟ أين فصل السلطات؟

 كم نحن بحاجة لإعادة الإعتبار للدستور وللمفاهيم السياسية الأساسية. قد يذكر البعض معركة "الميثاقية" التي عُطلت بسببها المؤسسات الدستورية لأشهر طويلة تحت حجة "صحة التمثيل". وفق المعايير ذاتها التي رفعت آنذاك ووفق المنطق إياه (الذي لا نوافقه بالضرورة): هل تستوفي الحكومة الحالية برئيسها وأعضائها شروط ومعايير "الميثاقية" التي "أتخمت" بها الأدبيات السياسية اللبنانية في تلك الحقبة من الزمن؟

الدستور ليس ورقة توضع في الدرج في مراحل معينة ثم تسحب منه عند الحاجة. هو ثقافة وروحية قبل كل شيء. ولكن ماذا تفعل إزاء من يفتقد هذه الثقافة و"يطلّع كل يوم" أرواح اللبنانيين؟