هل نحن امام حكومة من طراز آخر؟

فيصل مرعي |

اذا كان لبنان يعاني من أزمات، وعذابات، وتشتت، وتشلع، فليس مردّ ذلك الى عاديات الدهر، وصروفه، ونوائبه، وإنما الى ما جنته بعض ساسة الوطن، منذ عقود وعقود، ومنذ ذلك الزمن البعيد وحتى اللحظة ما زال هذا البعض ماثلاً للعباد في سوء سلوكه، وتنكره لهذا التنوع، والتعدّد اللذين ساهما في صناعة لبنان وقيامته. العجيب، هذا الاستمرار في غِيِّه وضلاله، وضربه عرض الحائط، صيغة العيش المشترك، والمساكنة، وهذا العقد الاجتماعي، ما ساهم في تعميق الهوة بين جميع اطيافه، وتناسي ديمقراطيته التوافقية، ما يعني تغييب وجهه الحضاري، وطمس خصوصيته، ونموذجيته، وديمومته في هذا المقلب الثاني من الكرة الارضية، ناهينك عن هذا التطلع والجنوح الى الخارج، والارتماء في احضان أنظمة (وأي انظمة!) إنها انظمة اعادت شعوبها الى عهود الصقيع.. يوم جلبت شعوباً، وامما تجمّعت من كل لِسْنٍ وأمة، فكان ان الفتى العربي فيها غريب الوجه، واليد، واللسان.. فراحت تتناسل وتتوالد شعوب وراء شعوب، حاملة معها عادات وتقاليد مغايرة لتراثنا، وقيمنا، وشيمنا، ما كان سيساهم في محو لغة، وزوال اوطان، وتدمير تاريخ..

كيف لا، وقد طال نوم بعض حكامنا، فاندثرت ثرواتنا، وضاعت خلافتنا، ولم نعد لا للسيف، ولا للقلم، فرحنا نتباكى خجلاً على أمس منصرم..

في كل الاحوال، ما يهمنا حالياً، ما يدور على ساحتنا اللبنانية، آملين بعد ان تألّفت الحكومة، الالتزام بالثوابت، ولبننة القرار، منعاً لتدخلات، وإملاءات خارجية جديدة، سيما وان ما وصلنا اليه من فراغ، وشغور، وتشتت وضياع، وارتهان، هو في جزء كبير منه يعود الى هذا الجنوح نحو خارج الوطن، فضلاً عمّا حصل من تنافر، وتجاذبات سياسية داخلية، ترافقاً مع ما حصل ويحصل بمحاذاتنا من توترات، واضطرابات، وفوضى كان لها انعكاسات مباشرة وغير مباشرة، كادت تضرب لبنان في العمق..

أما الميثاقية التي يتبجّح بها البعض، فهي كل مكونات الشعب لا غير، ولا تقتصر على مكون دون آخر. وهذا، ما يجب ان تتنبه اليه الحكومة الجديدة. فما يدّعيه البعض من اجحاف وحرمان، مُجاف للحقيقية، خاصة وأن "الطائف" اقر المناصفة والمشاركة. الا ان العبرة في تطبيق بنوده، وعدم نسيانه، وادارة الظهر له.

ولو كانت الكفاءة وحدها هي الحكم والمستند، لكنا بغنى عن هذه المهاترات والاستفزازات..

بمطلق الاحوال، نحن بحاجة الى نظام يعتمد الكفاءة، وتكافؤ الفرص اساساً، لا كأفراد، تارة بالانتقاء، وطوراً بالولاء.
نهاية. إننا ننتظر من الحكومة الجديدة الكثير الكثير، خصوصاً، وان امامها استحقاقات كبيرة ومفصلية، لا سيما لجهة الاتيان بقانون انتخابي، مغاير للقانون الحالي، وبرمجة الغاء الطائفية السياسية، وتفعيل المؤسسات، والنأي بالنفس، والنهوض بالاقتصاد، وتحييد لبنان عن حرب قد تتطاير شراراتها لتطاله.

وعلى هذا، نأمل من هذه الحكومة، ان تُرمّم ما فَسُد في الايام الخوالي، فتكون بذلك سداً منيعاً بوجه رياح عاتية قد تهب علينا حاملة _ لا سمح الله_ سُحب الفتن والمحن، خصوصاً واننا ما زلنا في دائرة الخطر. فلِيَكُون حكومة عادلة، يجب القيام بعملية الاصلاح، السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، اراحة للناس، وحمايتهم، وتسهيل حاجاتهم..

بهذا، تقوم دولة الحق، والعدالة، وتُستكمل الوحدة الوطنية، وننجز الاستقلال التام، فتستقيم قناتنا.

فهل نحن امام حكومة جديدة من طراز آخر؟