الريح الشرقية المتكسرة

د. وليد خطار |

ليست المختارة فقط قرية وادعة في جبل الشوف. ولم تكن تسمية المختارة مصادفة في تاريخ الوطن. بل سمّيت كذلك لأنها اختيرت من قبل الوطنيين المركز الأساسي للعمل الوطني السياسي في لبنان.

لا رؤساء ولا وزراء ولا نواب ولا نضال ولا وطنية ولا عروبة ولا حقوق مواطن ولا حريات إلا وكانت المختارة الرائدة في وضع الأمور في نصابها، فكانت دوماً عصية قوية تدير ولا تُدار، اكتسبت ثقة أهل الجبل بجميع مشاربهم، لأنها لم تفرّق لا بالجغرافيا ولا بالدين ولا بالغرضية ولا بالولاء، بل كانت تنظر دوماً إلى الإنسان بغض النظر عن ماهيته السياسية. لا بد من هذه المقدمة لنقول لرئيسنا وقائدنا وليد جنبلاط إن موقفك من النظام السوري تحديداً ورغم صفائه ودقته وعذراً لم يصل إلى ما تكنّه جماهيرك لهذا النظام الفاشي القاتل، وإن الصفحة التي فتحتها مع حافظ الأسد بعد شهادة المعلم لم يستسغها أهلنا إلا لكونك أنت من أرادها محافظة على التاريخ والجغرافيا.

ونعود سبعين سنة إلى الوراء. إنه تأسيس الحزب الذي أسسه كمال جنبلاط ثورة في عالم الإنسان، بدأ بنضاله الثوري ضد حكم السلطان سليم، وكان النصر حليفه. وفي ثورة 1958 انتصر ولم تستطع رياح الخمسين فك العرى عن المحيط العربي، وتُوّج هذا النضال في العام 1975 عندما استطاعت هذه الريح الشرقية الجافة القاسية الآتية من بادية الشام أن تيتّم مشروعنا الوطني في بناء دولة علمانية في لبنان. ولم تُقتَلع المختارة، بل زادت رونقاً وصموداً وقوة، ومررنا في أوقات عصيبة وقاسية وتغلبت حكمة عقلانيتك على جميع عواطفنا.

والآن تقول: "لا أجبر أحداً على أن يتقيد بأدبياتي تجاه النظام السوري أو الموضوع السوري، أعلم أن الأواصر الاجتماعية والعائلية والتاريخية بين جبل لبنان وجبل العرب موجودة منذ سنوات ومنذ قرون، لكن اسمحوا لي أن أبقى في بيتي على موقفي الثابت".

انت لا تجبر أحداً على الالتحاق بمواقفك منذ البدايات وحتى اليوم، والذي يجبرنا ثقتنا بقيادتك وصدقك وشجاعتك وحرصك على هذه الجماهير التي تستمر زعامتها مع تيمور جنبلاط بخطى واثقة أن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء.
أخبرتنا أن الظروف اليوم مختلفة وتريد أن ترتاح في المختارة ولا تريد أن تسلك طريق الشام.

ومن يريد أن يسلكها من غير رعايتك، وقيادتك، ومباركتك، هو بالتأكيد ليس منّا ولا يمت إلينا بصلة. انت لم تنسَ ونحن لن ننسى أن هذا النظام القاتل حرمنا من معلمنا ومن قيادات لبنانية عديدة ذنبها أنها وقفت وصارعت الريح الشرقية التي خلدتها بالشهادة. 

طريقك طريق المناضلين الشرفاء الذين استمروا بقيادة المختارة، ولم يتعبوا، ولم يلينوا. ويخبرني المرحوم والدي أن الأيام الصعبة التي مرت على المختارة في الخمسينيات كانت قاسية وكانت من أحلاف دولية، وأصبح مجيء الأنصار إلى هذه الدار العامرة دونه صعاب ومحاذير. واستطعنا الانتصار ونعود لنردد مع كمال جنبلاط: "طريقنا التحدي فمن رضي به كان منّا ومن لا يرضى فليدعنا وشأننا. سنصل إلى ما لا تبلغه قدماه".