وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر

وهبي أبو فاعور |

لم ننساكَ يا رفيقي أنور لنتذكرك اليوم في الذكرى الثلاثين لغيابك ولكن لماذا نكتب لأن ما نراه من ملعب رحب للمتزلفين والمفتنين وراغبي اللهو بحياة الناس والراحة التي يتمتع بها أصحاب الأيادي الملوثة بقذارة السياسة واْنتهازيتها دون سموها ورقيها... حيث يزرعون بذورالشقاق في جبل عالٍ تربى على الخير والمنعة والصلابة ويعيش في أرقى حالات العزة والكرامة والقربى بين كل مكوناته، هذا ما يثير لدينا الريبة والخوف على المشترك من القيم الوطنية والأهداف الإنسانية التي تعالى على موبقاتها الكثرة الساحقة من ساكنيه بعد نسيان الماضي المشوب بالدم ولعنة الحرب الأهلية، فنحن نعيش اليوم في رحاب المصالحة الوطنية التي أجراها كبيران من لبنان لا يحتاجان إلى ترداد أسمائهما فهما أعلام هذا القرن في الجبل العالي ولبنان الكبير.

لمّا كان لا شيئ يأتي من العدم ولما كنت في قميصك الحالي تعيش ما يكفيك من الهموم والمشاغل فأنا لا يغيب عن ذهني أنور الفطايري المحاط بالعائلة الصغيرة والأكبر حيث الجميع محب ومبتهج بالرؤيا والمسايرة ورصدِ آخر أخبار السياسة من الخالة أدما سعيدة بالإنطلاقة الناجحة لك إلى العم حسيب لا يغيب عن باله فرادة المرحوم شقيقه أبوفريد إلى الأعزاء وداد وسابيا وجيلان وكل المحيطين من أحباب وأقارب ورفاق وما أكثرهم...

لم تكن محطات العمل معك عابرةً ولا مرهونةً بالصدفة بل كان خيارك الحاسم والنهائي أن تكون طليعياً مقداماً في حمل أفكار المعلّم الشهيد في الحرية والعدالة وتكافؤ الفرص والإنتماء إلى وطنٍ يحمل عناوين الوحدة الحقيقية والعروبة الصادقة.

طيلة هذا العمر من العمل معك في ظل قيادة المرحوم المعلّم وصولاً إلى الفترة الأطول مع الرئيس وليد جنبلاط أطال الله بعمره لم يكن أحد ليحسدك على القرب من صياغة القرار ومعالجة آثار الأحداث والتخطيط للمستقبل فكنت الرأي الصائب والقلب المحب والعقل الصافي  والمنفذ الأمين لكل المراحل الحبلى بالمخاطر والرؤى، لم تُحسد من أحد لأنك لم تُسخّر هذه الثقة وهذا التكريم إلا للناس إلا للفكر الصادق إلا للمجموع المناصر إلا للبلد الموحد إلا لفلسطين العربية الجريحة...

يطيب لي أن أتذكر في ذكراك ست محطات رائعة كنتُ فيها معك صديقاً ورفيقاً وأنت الأكبر والأجرأ لي ولجيلي، محطات مرّت في عمرنا المشترك في النضال مع كل الرفاق في كل لبنان ومدنه وقراه ولا ينسى أحد تلك الذاكرة المليئة بالأسماء والأحداث والأصح القول بالإنسان والتاريخ حيث كان ملك يديك.

- الأولى كانت سنة 1970 رافقتك مع المرحومين الرفيقين النائب فريد جبران وعادل سيور إلى فصيلة درك البسطة لتقديم تعهد مقرخاص بمنظمة الشباب التقدّمي.

- والثانية في 1 أيار1971 في دارة المغفور له نجيب بك شمس وفي جهدٍ من فرع حاصبيا والنصير زياد قنتيس حول دور الحزب في نهضة العامل والفلاح، وكنت يومها وكأنك تكابد جهداً في بساتين الجديدة.

- أمّا الثالثة فهي زيارة حزينة مع الرفاق في الغرب الساحلي إلى بشامون سنة 1984 قمتَ بها لآل الحلبي الكرام لتداوي جرحاً وتُكرّم بإسم الرئيس عائلة كريمة أعطتنا أغلى ما عندها.
الرابعة بعد حرب الجبل قمنا بزيارة معك والمقدّم فياض إلى خلوة المرحوم المرجع الروحي لطائفة الموحدين الشيخ أبومحمد جواد ولي الدين كرم الله وجهه حيث أفاض لنا بالإحترام والتقدير طالباً الأجر والثواب وقارئاً الفاتحة عن أرواح من قضى من الشهداء الأبرار ولا ينسى أحد الفضل العميم والصوت الهادر بالحق والمبادرات المباركة التي كانت له إبان محنة الحصار فلروحه الرحمة ولتراثه الخلود.

- أمّا خامس المحطات الرائعة فهي قبولك لرغبة الرفيق المرحوم أنطوان الأشقر بزيارة إلى عيناتا الأرز لتسليم كمية من الدواء إلى مستوصفٍ أنشأه المرحوم النائب قبلان عيسى الخوري تكريماً لنجله الوحيد شبل الذي قضى في الجهة المقابلة، لم تكن مقتنعاً كثيراً بالمهمة ولكنك لم ترد هذا الطلب للمرحوم أبو زعيتر وقضينا يوماً كاملاً مع المرحوم سائقك خلدون ويخالجني شعورً آخر هل كنت ترهص يومها قرب المصالحة الوطنية!

- وسادسها لم تخلُ وقائعها من دموع الأسى حيناً والأمل أحياناً...

يوم عدنا من قبّيع بعد معركتها البطولية ضد الغربان السود بعد تعزيتنا بشهدائها أتذكر ما قالته لنا السيدة الفاضلة أم الرفيق غانم طربيه: إنّهم أي الشهداء فدى هذا المنديل الأبيض وهذا التوحيد الشريف  دفاعاً عن الأرض والعرض وكان لها بينهم ثلاثة أعزاء!

وما أن وصلنا إلى الباروك إلى حارة بيت علي محمود ومعنا الأحباء حافظ وبسام وكمال ولاقانا السيدات الفاضلات بالزغاريد والمحبة مرحبين بالآتين من الإتحاد السوفياتي للمشاركة في القتال الدفاعي.

يومها أسرّيت لي أثناء العودة بأن النساء يهرّبن أولادهن إلى الخارج للنجاة فيما عندنا تبتهج النسوة في استقبال أبنائهن للمشاركة في المعارك القادمة هذا دليل على أنّنا محقون ولن ننهزم...

أحمل في ذكراك لروحك الطيبة تحيات كل الشرفاء وكلهم شرفاء في حزبك التقدّمي وأخص تلك الحلقة الضيقة من الرائد حرب وعصام الصايغ وعلاء ترو وسعيد الضاوي وصلاح أبوالحسن وسواهم.
 
الرحمة لك أيها الحبيب والقوة بحزبك السبعيني والنصر لكمال جنبلاط في فكره وتاريخه المعمّد بالشهادة.