بانتظار الأخ معمّر

13 حزيران 2020 09:34:26

حقاً، ذكّرتني تغريدة وليد جنبلاط عن "القذافي الحي في الحكومة"، بما عرفته شخصياً عن "الأخ معمّر"، في ثلاث زيارات إلى ليبيا ضمن وفود الجامعيين. 

في المرّة الأولى، كنت أقف مع وفودٍ عربية وأجنبية، منتصف الليل، على "حطام بيته" الذي استهدفته الغارة الأميركية. كانت المناسبة: "إحياء ذكرى الغارة" التي طالته. وكانت اليافطة اليتيمة، المرفوعة فوق الحطام، قد كُتب عليها: ("ط"... "ز")، ("ط"..."ز")  بأميركا، بجانب حذاءٍ رياضي لولدٍ صغير.

قدّموا لنا "حليب النوق"، وحبّات التمر، بانتظار وصول "الأخ معمّر".

طال وقوفنا فوق "الحطام العربي" ثلاثة أرباع الليل. وفجأةً شاهدنا شرذمةً من الخيل، وجمجمةً، وطليعةً من الفتيات المجنّدات تتقدم نحونا، يتوسطن حصاناً مطهّماً عليه "ملك ملوك إفريقيا". 

فزعنا جميعاً من أماكننا خشية أن يحطّمنا حصان ملك ملوك إفريقيا المطهّم بحوافره. فمضى إلى غايته بين المجنّدات الجميلات، وغاب مثل البرق عن أنظارنا.

وفي المرة الثانية، كنا بين الوفود، نشاهد احتفالية "الفاتح من أيلول".  

هناك التقيت بين الصفوف العربية وغيرها بابن طرابلس، الصديق الغالي الأستاذ عمر مسقاوي (معالي وزير النقل لاحقاً) في الصف الثاني. فاستأذنت لنفسي، واقتربتُ من مقعده في الصف الثاني، ونحن نشاهد تحليق سربٍ من الطائرات الذي يلعب تشكيله لعبة مزج الألوان بالدخان النفاث. وكان أمامنا صفٌ من الفتيات يتوسطن رجلاً عليه "هيئة الأباطرة" وتيجانها. سألت صاحبي عنه ل"بلاهةٍ" تقصّدتها، فأشار  بيده تأدباً بضرورة الكف، وعدم السؤال. 

ويبدو أن "الأخ معمّر"، وهو أمامي مباشرةً، قد  سمع صوتي. فالتفت إليّ وقال: "ألا ترى؟" ومال نحوي حتى أرى. ومال معه صفٌ من السيّدات المجنّدات كن التفتن إليّ بابتسامات العذراوات الأخّاذة والتي ما تذوّقتها من قبل، وتذوّقها "ملك ملوك إفريقيا" قبلي. ثمّ نهض من أمامنا، وحلّقت حواليه سطور الفراشات، وطارت به، قبل موعد الانتهاء من عروض الطيران الاحتفالي الأخّاذ، فطار معهنّ فؤادي. وما كنت للحظة أميّز بين الطيارات الصغيرات النفاثات، وبين الفراشات الصغيرات النافثات.

وفي المرة الثالثة كنت مع الوفود، للعشاء مع الأخ معمّر. ذهبنا عصراً، ووصلنا بعد ذلك بثلاث ساعات.

كانت الخيام العظيمة تغطي المكان بأرضه العظيمة. وكانت السجاجيد الملوّنة على الأرض. وكانت الأطباق المصفوفة والمرصوفة، والحملان الموقوفة، والجمال الموصوفة للنحر. وكنا نتوسّط الخيام، لأننا سوف نكون في العشاء إلى جانب "الأخ معمّر".

طال انتظارنا حتى أواخر الليل. وفي برهةٍ برقت علينا مثل لمع اليدين بالحبى، كما يقول إمرؤ القيس، وداهمتنا الخيل. جيادٌ كثيرة، وفرقة مشاة من السيّدات، والفتيات، والمجنّدات. فهرع الناس: المدعوون والمرافقون والعاملون، لإزاحة الموائد من قدّام كوكبة الفرسان، مجنّدين ومجنّدات. فما كان الناس يستطيعون التلهي بالموائد خشية أن يقعوا فريسة تحت أقدام الخيل. فعبر  بنا ملك ملوك إفريقيا، مثل الريح. واستأنى جواده فوق المائدة المعدّة له قليلاً، مثل جواد إمرئ القيس... فنحرت له الأباعر.  فتحرّك الملك على جواده، وطار به كما في شريطٍ هوليوودي صُوّر في صحارى تكساس،  فوطأ الموائد جميعاً بحوافر حصانه، وأقدام فرسانه وفارساته. وغاب في وسط الليل، وهو على الصهوة، ولم يشرب القهوة.
 نهضت الجموع المحتفية بالعشاء مع "الأخ معمّر"، وغادرت. تعشّت بلا عشاء.  ورَعت بغير مرعى، تماماً كما رعَت الفيافي "ناقة أبي تمام".

حقاً، كلّما عرضت الشاشات لاجتماعات الحكومة، كلّما وجدت نفسي أمام مشاهدَ إشكالية، فيها الكثير من "الأكشن". وليس فيها دبساً ولا طحناً.

رعاكَ اللّه، وليد بك، ذكرتنيه (أثر الفأس، وقد كنت ناسيا).


* أستاذ في الجامعة اللبنانية

*هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء"