جنبلاط وهاجس الفتنة

09 حزيران 2020 14:09:48

على خلفية مشهدية السبت وما تخلّلها من فتن متنقّلة، وأحياء خطوط تماس قديمة واستحداث جديدة بخلفيات مذهبية وطائفية، بدت لافتة حركة رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط باتجاه الرئاسة الثانية، يرافقه نجله النائب تيمور جنبلاط والوزير السابق غازي العريضي، وما أعقب لقاءه الرئيس بري من اجتماع مماثل في كليمنصو مع الرئيس سعد الحريري. فلماذا سارع جنبلاط إلى عقد تلك اللقاءات، على رغم أنّ بيئته كانت بعيدة كل البعد عن نهار السادس من حزيران وليله المشتعل؟

مصادر مطّلعة على حركة جنبلاط، أوضحت لـ "لبنان 24" أنّه يستشعر خطورة انزلاق الوضع إلى ما لا تحمد عقباه، فصراع الأخوة لن يجلب للبلد سوى الويلات، لاسيّما وأنّنا نمر بتوقيت عصيب على الصعيدين المالي والإقتصادي، وهناك خوف من استغلال الشارع وانحدار الوضع نحو فوضى وفتنة يستحيل ضبطهما، وعندها لا يعود بالإمكان تحقيق المطالب المعيشية التي أصبحت ضاغطة.

 أضافت المصادر أنّ جنبلاط لطالما كان مبادرًا، كونه مسكونا بهاجس وقوع الفتنة، التي لن تكون نيرانها محصورة بشارع او اثنين، نظرًا للمشاكل السياسية وعمق الإنقسامات القائمة، إذ بالكاد نشهد توافقًا حول مسألة ما، في ظلّ الأحقاد الكبيرة الموجودة في البلد. يضاف إلى المشهد السياسي المأزوم، الوضع الاقتصادي والمالي، واستنزاف القوى الأمنية في الأحياء والشوارع والمدن، وخطورة استمرار الوضع على ما هو عليه، بحيث يصعب عندها تأمين التغطية الأمنية للمناطق التي تشهد توترات. كل ذلك يترافق مع ضغط دولي حيال "اليونيفل"، إذ أنّ الملفات مرتبطة ببعضها البعض، لاسيّما وأنّ لبنان سحب من عديد قواته المتمركزة جنوبًا، لضبط الأمن في الداخل، ولمواجهة المجموعات الإرهابية على حدوده مع سوريا، ومنذ 2006 لم يصل لبنان إلى العدد المطلوب نشره جنوبًا، وهذا الأمر يستغل دوليًا للضغط على لبنان.

في لقاء عين التينة سمع جنبلاط نقدًا من بري حول مجريات السبت، وما حصل من شعارات مذهبية مسيئة، تعامل معها بمسؤولية عالية، من خلال اتصالات اجراها مع قيادة "حزب الله" وأركان المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى ، والسيد علي فضل الله، أثمرت إصدار مواقف مستنكرة وشاجبة لما جرى، ساهمت في تطويق الفتنة. وتطرّق اللقاء إلى المفاوضات التي يجريها لبنان مع صندوق النقد الدولي، والفجوة الكبيرة حيال عدم وجود أرقام موحّدة، إذ أنّ مسؤولي الصندوق يرون أنّ لبنان قدّم خطّة نظرية بعناوين متعددة، ولكن لا وجود لخطّة حكومية متكاملة، وهو الأمر الذي تحدث عنه بري بوجع، وعبّر عن عدم تفاؤله بالمسار الذي تسلكه الأمور في هذا الملف. خصوصًا أنّ حركة الإتصالات مع السفراء تشير الى عدم التفاؤل بأنّ الدعم المالي المطلوب سيصل إلى لبنان بسبب هذه الإدارة، وقد شاركه جنبلاط النظرة ذاتها، وعكسها في تصريحه بعد انتهاء اللقاء.

أمّا اللقاء مع الرئيس الحريري في كليمنصو فكان عنوانه تطويق الفتنة المذهبية التي شهدتها شوارع بيروت. والأخير مدرك لخطورة إثارة النعرات المذهبية، ومحاولات إحداث فتنة سنية شيعية، ولحجم المشكلة في بيته الداخلي وخطورة ما يواجهه، إذ ليس من مصلحة أحد أن يستمر التفكّك في البيت السني، ولديه تساؤلات حول اندفاعة شقيقه بهاء، ومن يقف وراءه، ولا يملك تفسيًرا لمحاولاته تلك، ويحمّله مسؤولية ما جرى. انطلاقًا من هنا يشرف الحريري على تفاصيل الأمور والمعالجات، ويتابع عن كثب شوؤن بيته الداخلي، وهو بصدد القيام بخطوات على مستوى المناطق كلّها، للملمة "بيته المستقبلي".

في سياق مقاربة مشهد السبت، لا بد من التوقف عند محدودية المشاركة قياسًا بالتعبئة التي سبقت الموعد، فهناك من انكفأ بعدما شعر بأنّ الأمور تُحوّر عن مسارها الشعبي باتجاه أهداف وعناوين وغايات أخرى. وبات مكشوفًا من وراء التحرك، كما أنّ الأميركيين لم يخفوا هذا الأمر.

ولكن في المقابل هناك من يستثمر في وجع الناس، ويواصل نهجه السابق، إذ أنّه بعد إسقاط بعض الطبقة السياسية السابقة أو جزء منها، وبعد تأليف حكومة تكنوقراط والتعويل على دورها، كانت النتيجة أنّ الصفقات والسمسرات والبازرات ما زالت ناشطة، وعلى عينك يا تاجر، من دون خجل أو وجل. وبذلك قدّمت الحكومة الحالية صورة مطابقة لسابقاتها، وتحديدًا في ملف الكهرباء وما حصل في التراجع الحكومي عن استبعاد معمل سلعاتا وتكاليفه الباهضة، فضلًا عن استمرار النهج السابق في التعيينات، وهو أداء طبع الممارسات الحكومية، ومعه يستحيل لحكومة اللون الواحد التي رفعت شعار الكفاءة، أن تحقّق إنجازات . في هذا السياق تساءل كثيرون، هل مواجهة خطر الفتنة في البلاد يتمّ من خلال عمل تقني، أم أنّه مسؤولية سياسية بامتياز، تتطلب مبادرة سياسية لحماية لبنان، مذكرين بكلام رئيس الحكومة أنّ حكومته هي حكومة تكنوقراط وليست حكومة مواجهة سياسية.

في قراءة لتسييس الحراك، وتحميله عناوين سياسية حرفت الأنظار عن المطالب المعيشية، كالمطالبة بنزع سلاح "حزب الله"، لا شك في أنّ هذا العنوان الخلافي لن يُحلّ لبنانيًا لا على طاولة الحوار، ولا من خلال البحث في الاستراتيجية الدفاعية، بل عبر إطار دولي - إقليمي، وهذا الموضوع ما زال بعيدًا، ويجب التركيز على ادارة شؤون البلد المأزوم.