«قانون قيصر» في الحسابات الروسية

09 حزيران 2020 09:00:00 - آخر تحديث: 09 حزيران 2020 09:02:25

هناك بعض المعطيات التي تؤكد اعتماد روسيا على أولويات جديدة لمواجهة تداعيات «قانون قيصر» الأميركي ضد سوريا.

وضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب قانون «قيصر» قيد التنفيذ، بعد ما يزيد على ثلاث سنوات على إقراره في الكونجرس. والقانون المثير للجدل يحمل مجموعة واسعة من المؤشرات التي تؤثر في وضع المنطقة برمتها، وليس على الساحة السورية فقط، وهو لافت من حيث مضمونه الذي يختلف عن قانون عام 2012 الذي يفرض عقوبات على منتهكي حقوق الإنسان في سوريا، ومن حيث مدة العمل به، والتي تبدأ في 1يونيو/حزيران 2020 وتنتهي في 31 ديسمبر/كانون الأول من عام 2021.

من المؤكد أن القانون الذي حمل اسم الضابط السوري المنشق، والذي نقل 55 ألف صورة من المعتقلات السورية عام 2015؛ سيترك آثاراً واسعة على الأوضاع المعقدة في سوريا، كما سيكون له انعكاسات على العلاقات الروسية - الأميركية، لأنه يفرض عقوبات مشدَّدة على عدد كبير من المسؤولين السوريين، وعلى الشركات الأجنبية - بما فيها الشركات الروسية - التي تتعامل مع الحكومة السورية في مختلف المجالات، ولا يستثني من العقوبات الأشخاص مهما كان موقعهم أو جنسيتهم، عندما يتأكد قيامهم بالتعامل مع المتهمين «بقتل السوريين»- كما جاء في مندرجات القانون، أو المشاركين بعمليات القتل من خارج الحدود، بما في ذلك القيادات السياسية والعسكرية. وتتنوع مروحة العقوبات الأميركية؛ من سحب تأشيرات الدخول الموجودة حالياً مع الأشخاص المعنيين بالعقوبات، إلى عدم منحها لهم في المستقبل، وتوقيف كل تحويلاتهم المالية، إلى تجميد أصول هؤلاء في الولايات المتحدة، أو في البنوك التي تتعامل معها، ومحتمل أن يتمدد تنفيذ العقوبات في دول حليفة لواشنطن.

نتائج هذه العقوبات ستكون قاسية على سوريا، بحيث إنها قد تؤدي إلى اختناق معيشي واقتصادي أكثر من الوضع القائم حالياً، وستوقِف عملية إعادة الإعمار التي كانت تتهيأ للانخراط فيها الشركات الروسية والإيرانية على وجه التحديد، وستُربِك القطاع المصرفي اللبناني أكثر مما هو مُربك حالياً، لأنه كان المتنفس الوحيد للقطاع النقدي في سوريا، لأن العديد من السوريين المؤيدين للحكومة يمتلكون حسابات نقدية كبيرة في البنوك اللبنانية، وكانوا يستخدمونها لفتح اعتمادات بالعملات الصعبة لتأمين بعض الاحتياجات للسوق السوري من قطع الغيار والمواد الأولية للصناعات الحيوية.

روسيا التي انتقدت صدور القانون؛ بدت مُربكة في التعامل مع الوضع الجديد، وتقليلها من شأن تأثيراته، لا يعني عدم الخشية من مفاعيله على البلد الذي تعتبره روسيا قاعدة أساسية من قواعد نفوذها الخارجي، وهي معنية بكل تفاصيل ما يجري في سوريا من مختلف الجوانب. وانطلاقاً من هذه المعطيات؛ فإن ما تملكه روسيا من أوراق قوة على الساحة السورية غير كافية لمواجهة الصعوبات القادمة، وقد تكون مُجبرة على تنسيق أجندة جديدة في تعاملاتها مع تطورات الساحة السورية.

هناك بعض المعطيات التي تؤكد اعتماد روسيا على أولويات جديدة، ومن هذه المعطيات تكليف السفير الروسي في دمشق الكسندر يفيموف بمهام مبعوث شخصي للرئيس فلاديمير بوتين، وله صلاحية التواصل المباشر بمكتب الرئيس بموسكو، كما بكافة المسؤولين المعنيين في سوريا، من دون الرجوع للتراتبية الدبلوماسية المعتمدة لدى وزارتي الخارجية في الدولتين. ويمكن ذكر جانب آخر من المقاربات الجديدة لموسكو، وهي المحاولات الحثيثة التي يقوم بها القادة الروس الميدانيون لتأمين فتح خط تواصل بري بين المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، وبين المناطق الحيوية التي تسيطر عليها الحكومة السورية على الساحل، خصوصاً فرض محيط آمن على جانب الطريق السريع ( أم 4)، لأن المناطق التي تسيطر عليها قوات «قسد» ذات الغالبية الكردية؛ لا تشملها العقوبات الأميركية الملحوظة في «قانون قيصر»، وبالتالي فإن روسيا ترى في تكثيف عملية التواصل مع قوات «قسد» نافذة مهمة يمكن الهروب بواسطتها من بعض تبعات القانون، ومن هذه المناطق يمكن تزويد الأسواق السورية ببعض الحاجيات من دون العبور ببوابات حدودية دولية مُراقبة.

وعلى هامش الاهتمامات الروسية بالمناطق ذات الأغلبية الكردية والتي تقع تحت الحماية الأميركية في شمال شرقي سوريا، تمَّ تسريب معلومات عن توافق روسي - أمريكي تعمل بموجبه الدولتان اللدودتان على تنفيذ خطة حل للأزمة السورية، تراعي بعض جوانب المصالح التركية والإيرانية وتحاصر نفوذهما في ذات الوقت. وما أثار الاهتمام أكثر، هو تحديد مهلة لتطبيق «قانون قيصر» تنتهي مع نهاية عام 2021، وهو العام الذي ستجري في شهر مايو/أيار منه الانتخابات الرئاسية السورية، وقد أشارت بعض المصادر إلى وجود اتفاق غير مُعلن بين موسكو وواشنطن على دعم مرشح رئاسي واحد.