زمن "الخواجات" الجميل.. وَتَرَدُدِي

وائل ضو |

إستحضر لبنان من عُمقِ ذاكرته قبل أن يتقدم بحديثِهِ عن غايةِ اللقاء: "كنتُ أذهبُ إلى بيروت في العام عدة مرات، منها لتمضية الإجازات والإستمتاعِ بطقس لبنان الجميل، ومنها للتبضع وشراء حاجاتنا من الملابس. كنا مع وصولنا نستعين بأحد "الخواجات" لمساعدتنا في التجول وإنتقاء ما نحتاجه من الأمتعة، ومن ثم تطورت العادة وأصبحتُ أذهب الى بيروت خصيصاً بطائرتي الخاصة لإسطحب رفيقاً في رحلاتي الى أوروبا... اللبناني على قدرٍ عالٍ من الثقافةِ والذوق والأخلاق، ولبنان بقعة جميلة لا يضاهيها مكان في العالم... آخرُ زياراتي كانت مع عائلتي في العام 1975. أين لبنان اليوم من الماضي؟"... بهذه الكلمات إستقبلني رجل أعمال معروف "مُسن" في إحدى الدول الخليجية، وفي اول لقاء ومعرفة.

إنتهى ذلك النهار ولم يتوقف معه سؤال مُحدثي، ولم أجدُ جواباً يليقُ بما يحمله في ذاكرته، أظنُ أنني قد وقعت بخطأ ما بعدم الإجابة، يومها في العام 2008 كان لبنان أفضل حالاً وأكثر صلابة وثقة وسمعةً واحتضاناً مما هو عليه اليوم، كان من المُمكن أن أخرُج ببعض الإجابات الإيجابية والمُقنعة، فلم يكُن العجز والتلكُؤ والتخاذُل والملل قد أصابنا كما حاصل اليوم, كان قلب ثورةَ الأرز ينبضُ، ودماءُ الشهداء لا زالت ساخنة وماثلة أمامنا، نستمدُ منها العزيمة والقوة والجرأة والشموخ والإصرار، كنا في ربيعٍ لا شبيه له.. كان بالإمكان التَحَدُثَ عن السيادة، فكنا على مشارفها، ورفع الوصاية، فكنا خارجين منها للتو، وعن عنفوان الشباب، وبناء الدولة، ومُكافحة الفساد، ورؤيتنا المستقبلية، ونظامنا الديمقراطي، وحريتنا المسؤولة.. كان بإمكاني التحدُث عن الطبيعة، البيئة، بحر لبنان، السياحة، الإقتصاد، الطبابة، التعليم، القطاع المصرفي، مُكافحة الجريمة... عن تحرير الجنوب وصلابة وبأس رجال المُقاومة، إذ كُنا حتى ذلك الحين نؤمن بدَورِها برغم خِشيتنا من مُستقبلها على لبنان.

 كان في جعبتي الكثير لأقوله، لكنني إمتنعتُ بإنتظار الأفضل، كنا نتجهُ صعوداً لتحسين وتعزيز دور لبنان من جميع النواحي التي ذكرتها أعلاه رغم قساوة المرحلة ودقتها وآلامها. كنتُ آملُ وأنتظرُ المزيد قبل أن أجرؤ وأرسُمَ صورة جديدة لديه. لكنني ترددتُ وتلكأتُ وأخطأت. ماذا عسايَ أقول اليوم إن واجهني بذات السؤال؟. وأي الألوان ستجتاح وجهي أمامه؟. وعن أي المصائب قد أتحدثُ؟. قد لا أجيبه مُجدداً،  ليس بداعي التردُدِ هذه المرة، بل لأحتفظ بما تبقى من ماء على وجوهنا ومن ذاكرة جميلة فاعلة ومؤثرة في ذهن الثمانيني الحاضر...