إعادة تصويب عقل الأمة نحو إحقاق القضية الفلسطينية

د. طارق خليل |

يُطل العام 2019 ومؤشِرات خروج باقة المنظومات الاجتماعية وبناها السياسية-الاقتصادية من ضوابطها، كمن ينظر لما سترشح به زجاجة الرأسمالية المهتزَة- على إثر تكشُف زيف سحر فلينتها المهترئة - فتنضح بما أنتجته الليبرالية الجديدة، بدءاً من الفوضى في بنية العائلة، وصولاً إلى اقتصاد البيئة (الإيكولوجيا) ووهم الإنسان الإله (أوموديوس) ليتعرّى مُدّعي ألوهية مستجدَة للقدس في ظل الهيمنة اليهودية من منظارها القبلي المُعولَم (حيث يُصبِح المسجِد الأقصى قابل للتهويد/ راجع: جريدة الأنباء، تقرير مؤسَسة القدس الدولية/ أمام هيكل وهمي لسليمان) في محاكاة تُشبِه كمن يعدو عارياً ولكن غبار آلهة النسيان أوهمته كساءً تُنسِجه تصوّرات الأنا الذئبية. يوازيها تعرّي أوهام فوكوياما حول الديمقراطية الليبرالية ونهاية التاريخ أمام آلهة أثينا وفلاسفتها (مبدأ الحقيقة عبر النقد) لتفرُض نفسها رؤى بودريار حول أساطير النظام الاستهلاكي وتراكيبه وضرورة إعادة الفكر السياسي العلمي إلى موقعه في تاريخه الاجتماعي وكشف زيف السحر عنه كما رأه بورديو. عليه، لا بد أن نستذكر المعلِم كمال جنبلاط من خلال رؤاه الفكرية المظلَلة ببشائر مُحفِزة  للأمل بمستقبلٍ واعد على الرُغمِ من الاختلالات الكبرى التي تتعرَض لها منظومتُنا السياسية وانعكاساتها الاجتماعية-الاقتصادية. بالتحديد براغماتية كمال جنبلاط بتطبيقه مقولة أنَ الحقيقة هي كل ما يتحقق من دون تجنُب تمييزه بين الحقيقة الجوهرية والواقع على غرار جاك لاكان، وفي نفس السياق حكمة التعلم من الحياة معنى جمال التسوية (المساواة) والحفاظ على الإيجابيات ومراكمتها، كما لا بد أن نُضيف أيضاً ما شكَل الُلبنة الصلبة في مداميك الشخصية المنوالية لكمال جنبلاط ألا وهي الجدلية، التي تتجلى في اليان إنغ على سبيل المثال، وتمظهرها في حراك المجتمع عند كمال جنبلاط في البحث عن النخب الفاعلة الملتزِمة حيث عُرِف عن المعلِم أنَه كان صائد عقول. وما الحزب التقدمي الإشتراكي إلَا باكورة هذا الصيد. وما المسؤولياتُ التي يحملُها الرفيق رئيس الحزب وليد جنبلاط إلَا تأكيد على هذا المسار الذي على جيلِنا  أن يستلهِم  منه للحفاظ على التجدُد والفعالية في آليات عمل الحزب ومؤسساته الرافدة. فانطلاقة الفريق البرلماني لنواب الحزب الإشتراكي واللقاء الديموقراطي هي خير تعبيرٍ عن التجدُد والفعالية في مقاربة الملفات الحياتية الاقتصادية التي يرزح تحت وطأتها المكلًف اللبناني.  فنجد استطرادا هذا التجدد يتفعَل في تقدُم الإشكالية الاقتصادية على غيرها عبر مقترحات لمعالجة وضع الكهرباء، كلفة الرتب والرواتب، وتعويضات التقاعد في القطاع العام(راجع: الإجراءات الفورية المُقترَحَة من قبل الحزب التقدمي الإشتراكي بتاريخ 15/11/2018). كذلك واقع التلوث البيئي، الذي يحتاج إلى التوسع به في سياق مقال آخر، ولكن أقل ما يقال فيه أنَه يوازي خطورةً الأزمة الاقتصادية، خاصةً أنَ التلوث المطّرد لنهر الليطاني هو بمثابة قطع للشريان الحيوي الأكبر للبلاد، إذ يشكِل المثل الأبرز لتفاقم هذه الخطورة على المستوى الوطني. كذلك واقع تلوث الهواء، الثروة البحرية والحرجية وغيرها المرتبطة بمسبِبات كثيرة تفاقمت بسبب الأزمات السياسية وعدم الاستقرار في انتظام عمل مؤسسات الدولة. عليه، لا بد من تفعيل رؤية سياسية للحزب في إطار استراتيجية اقتصادية- بيئية يمكن أن تشكِّل خارطة طريق إنقاذية للواقع غير المسبوق بيئيا في تاريخ لبنان.  

وعود على بدء، وفي ظل متغيرات كبرى نشهدها على الصعيد الدولي، نستذكر أيضاً ما أشار إليه المعلم في سياق مقاربته للاقتصاد والإنسان حول كل من يريد إصلاح أحوال الجماعة وأحوال العالم. ولكن قليلاً منهم من يفكر بإصلاح نفسه بادئ ذي بدء متناسين أنَ الإنسان وليد البيئة (المحيط)، يتفاعل مع البيئة، والبيئة تُكوّن حياتَه واقتصاده إلى درجة كبيرة (بما يشبه جبرية المنزلة عند أبي العلاء المعرِي). ولا ينفلت من الوضع المكاني إلاّ على قدْر ما يتطور به فِكرُهُ ويُمكِنُهُ من السيطرة على حيِّزِ المكان. فهذا المقتَطَف يُبرِز ما يجري من متغيرات مفصلية في بنية الديمقراطيات الكبرى وعلى سبيل المثال: في فرنسا ماكرون مقابل السترات الصفر، بريطانيا تريزا ماي (البركسيت) مقابل الاتحاد الأوروبي، أميركا ترامب محاكيةً الدعاية الشعبوية والديمقراطية المحارِبة المرادفتين للاستعمار القديم والمتجدِد في الانسحاب من كل اتّفاقات، تُعزِز عوامل التعاضد بين الأمم بدءاً من البيئة وصولاً إلى الاتفاقات التجارية. من ناحيةٍ أخرى لا تنفك كل هذه المتغيِرات تلقي بظلالها على واقع عالمِنا العربي المُتلقي فتزيد الخشيةَ من أن تعبُرَ بنا عبر الشركات المُعولَمة في حين لا زلنا نبحث عن معاني الاعتراف بالتعددية في معانيها الأوَلية لجهة، رفض، إدخال مبدأ اعتماد منهجية مقارعَة العقل بالعلم أو بالفكر المُعنوَن بهيغل، ماركس، إنجلز، ديكارت، ملتون، كون، بوبر، المعرّي، أبي حيان التوحيدي (المتسائل: كيف أشكل الإنسان على الإنسان؟)، إبن رشد، الجابري وغيرهم ممَن أثاروا صدمةً نوعيةً في بنية الجماعات سمحت بحصول نظرة جديدة إلى العالَم يُعوَّل عليها في فهم إعتقادات الجمهور المرادِفة للجهالة وإنكار الحقيقة.

 وإذا كان من توصيف لما يجري من تفكيك للعالم العربي نجده يكمن في التحوُل الأخطر في مقاربة قضايا الأمة على أساس مذهبي واعتبار القضية الفلسطينية إشكاليةً محلّيةً ضمن إشكاليات متفرّعة على مساحة العالم العربي. فبرزت الخلافات الداخلية الفلسطينية وتفاعلت مع هذه المتغيرات بشكلٍ سلبي، حيث بات البعد المذهبي للقضية يطفو مقابل البعد القومي. والتعقيدات تكمن داخل آليات عمل السلطة الفلسطينية (على سبيل المثال عدم النجاح في تشكيل حكومة فلسطينية حتى الآن، حل المجلس التشريعي من قبل الرئيس محمود عباس)  والصراعات في المخيّمات الفلسطينية في لبنان تعبّر عن فوضى كبيرة أصبح ضبطها يزداد صعوبة، متسائلين عن معنى كل ما يحصل خارج إطار ضرب القضية الفلسطينية. وبالتالي مفهوم العروبة كما نعيها في ثقافتنا السياسية، لذلك لا بد من أقصى درجات الوعي للمخاطر الماثلة أمام الواقع الفلسطيني المأزوم جغرافياً في الداخل والشتات. أمّا الفشل في تفعيل سياسة لهوية الأمّة العربية من خلال التبادل الثقافي-الاقتصادي وتحويل اللّغة العربية إلى لغة علمية تُدعّم تفعيل المراكز البحثية، لتشكّل قطباً ومنارةً على مدى الجغرافيا العلمية العالمية أسوة باللُغات الأخرى، بلغ من الضعف مرحلة ما يشبه التخلّي الثقافي عن القضية الفلسطينية كأحد المداميك في هيكل الأمّة العربية، فأين ناجي العلي، محمود درويش، غسان كنفاني، مي المصري (مخرجة فيلم ثلاثة آلاف ليلة) وغيرهم في أدبيات جيل الشباب العربي الحالي؟ وهل برامج النقاشات السياسية، المواهب الأجنبية، وغيرها على أهميتها هي البديل الصالح؟ في هذه الأثناء وأمام هذا المشهد غير المسبوق من الوهن العربي نلحظ أنّ إسرائيل كدولة قوة مستعمِرة مستوطِنة، مختزِلةً السامية باليهودية، تُكمِلُ مشروعَها المبرمَج على طمس هوية الثقافة الفلسطينية في إدِعاء ثقافات إسرائيلية مأخوذة من أهل فلسطين والعالم العربي، بدءاً من الأكل (الفلافل، الحمص،...) وصولا إلى الفن والأدب، ناهيك عن سرقة الملكية الفكرية للكثير من الأدباء كالكاتبة الفلسطينية خلود خميس، الجزائرية أحلام مستغانمي، التونسية خلود عيسى، وغيرهم في مسعى إسرائيلي متقدم لتصوير كيانه على أنه جزءٌ من نسيج هذه المنطقة وثقافتها، محاولاً المسح من ذاكرة الأجيال على أنه دخيل سارق للثقافات الأخرى. وما النزاعات بين الحكام العرب من ناحية والمثقفين من ناحية أخرى، بالأخص الملتزمين منهم سياسياً، حول كيفية مواجهة الصهيونية/الإسرائيلية، إلاّ مؤشر واضح على الشِقاقات الثقافية التي تعاني منها العوالم العربية، ومن جملة الأمور بدأ يظهر التمدد الاقتصادي الإسرائيلي الرسمي، إذ يقدم نفسه أيضاً كواحد من مكونات هذه المنطقة لناحية إفادة الآخرين بتفوقه التكنولوجي الواضح وعرضه لإقامة مشاريع تربط المنطقة في ما بينها كتسويق مشروع لسكة حديد المتوسط – الخليج. وهنا تكمن المفارقة الأخطر حيث تؤشِر هذه المعطيات إلى أن هذا الخرق الثقافي الاقتصادي للكيان الإسرائيلي في البعض من العالم العربي يجري عكس ما كان يفترض أن تقوم به الدول العربية مجتمعة في كنف جامعة الدول العربية لجهة حصار هذا الكيان جغرافياً اقتصادياً وثقافياً حتى الإزالة. إن كل هذه المعطيات تعود بنا إلى فهم أنّ عدم اجتماع العرب الراسخ حول القضية الفلسطينية ببعدها الأممي ما هو إلاَ نتاج عدم قدرتهم على ترسيخ مفهوم الأمة العربية كواحدة من الأمم المعولمة اقتصادياً، ثقافياً، علمياً، وتقنياً. بمعنى آخر، كيف يمكن أن نكون فاعلين، كعالم عربي، إن لم نحدّد هوية شعوبنا، بدءاً من اللغة والثقافة الشعبية، وصولاً الى المشاركة في تطوير الحضارة البشرية الراهنة التي بات جزءٌ منها يتطور بوتيرة متسارِعة والتي لن تسمح لأحد، لا يجاريها في سرعتها، بأن يشاركها بسهولة في مردود هذا التطور؟ من إدراكنا لمدى تأثير المراكز الفكرية في تأطير هويات الشعوب، نجد أنَ تلك التي فقدت هويتها الاصلية من خلال عدم تمأسس البحث عن واقعها وتجديد رؤيتها للعالم ولموقعها فيه تحوَلت بركودها الى مستهلِكٍ فكري بوتيرة متسارعة على إيقاعات شبكات الاتصال العالمية المطّردة التي باتت تلعب أيضاً منذ سنوات مضت دور المحرِّك الناظم في الحركات الاحتجاجية. 

إن عدم امتلاكنا هوية مشتركة محددة المعالم لمجتمعاتنا الممتدة على مدى العالم العربي المتأثر بثقافة الآخرين والبعيد عن التمرس في السلطة منذ بضعة قرون، على عكس الأنموذج العثماني/التركي والفارسي/الإيراني، جعل لكل منطقة جغرافية ثقافة هوية تناسب هواها ومردُ ذلك غياب الفكر النهضوي وتعبيره الثقافي والسياسي المناسب. فإذاً لا بد من الإضاءة على الواقع الفلسطيني من منظار قضم هوية الثقافة الفلسطينية في سياق تساؤل كبير عن حال هوية الثقافة العربية؟ كما لا بد من التساؤل عن مدى انتشار ثقافةٍ إسرائيليةٍ مضلِلةٍ كمؤشِرٍ لعنفٍ رمزي على الشعب الفلسطيني مُستخدَم في نسق أمبريالي معولَم؟ كما أن موقع لبنان الجغرافي ودوره التاريخي في المنطقة يشكِل المنطلَق لإعادة التصويب نحو ترسيخ أسسٍ تحمي الهوية الفلسطينية في ظل عولمة لا تني تغيِر بنى مراكز الصراع وأدواتها. لذلك على لبنان أن يكون مرآة إنسانية فاعلة في مقاربة واقع المخيَّمات الفلسطينية. أمَا بيروت التي شكَلت ملتقى الأدباء والمفكرين، الأحزاب اللبنانية والحركات الثورية العربية، عليها أن تُفعَّل لتبقى قلب لبنان النابض الساهر في تدعيم المناطق اللبنانية بدءاً من الجنوب على الحدود مع العدو الإسرائيلي وصولاً إلى الشمال وعكار لأنه من الوهم الاعتقاد بإمكانية فصل موقع بيروت كعاصمة سياسية واقتصادية للبنان عن باقي المناطق في ظل مركزية جوفاء قد مرَّ عليها الزمن. وللحزب الاشتراكي دور ريادي بتفاعله مع مختلف قضايا العالم العربي. وما تصويبه نحو القضية الفلسطينية سوى تأكيدٍ لاعتبارها من البديهيات في ثقافتنا وممارستنا الحزبية، فالقضية الفلسطينية هي أولاً وأخيراً قضية إنسانية والمسلَمة الأساس في البنيان الحديث للأمة العربية وبالتخلي عنها يسقط النسق الحامي لمفهوم هذه الأمَة وحكماً معنى لبنان العروبة. فإذاً لا بد من إعادة تصويب عقل الأمة نحو إحقاق القضية  الفلسطينية.

مراجع:
1. Jean Baudrillard, La Société de Consommation; Denoël, folio-Essais, Paris, 1989. Traduit en arabe par Dr. Khalil Khalil, Dar al fikr al loubnani, Beyrouth, 1995.
2. بورديو، بيار، أسباب عملية، دار الأزمنة الحديثة.
3. عتصمون، جلعاد، أن تكون في الزمان، مكتبة كل شيء.
4. شيفر، أولريش، انهيار الرأسمالية، مجلة عالم المعرفة، عدد 189.
5. بيلت، جان، عودة الوفاق بين الإنسان والطبيعة، مجلة عالم المعرفة، عدد 371.
6. قرم، جورج، الفكر والسياسة في العالم العربي، دار الفارابي، 2018.
7. خليل، خليل، الحركات الحزبية في الجنوب اللبناني في نصف قرن، مجلة دراسات عربية، العدد 5/6، آذار/نيسان 2000.