مُحسن يرقد بجوار فلسطين

05 حزيران 2020 08:31:26

دخل الى منطقة أجله بوعيه الكامل، وراح يجتازها وئيداً ثم وحيداً، ما خلا الرفيقة ام خالد، والبنين، وحسين الأمين. 

اليوم، يعود محسن ابراهيم الى أنصار، بعد غياب طويل، بعدما غادرها وهو مُفعم بحزن فلسطين، أي على مرمى حجر من مكان ميلاده.

يعود الى تلك البقعة الأمينة، لكي يأوي الى ترابه، علّه في يوم من الأيام، في زمن من الأزمان، يتّحد التراب بالتراب. ويعود محسن ابراهيم عبر هذا التراب الى فلسطين التي أحبّها، ولم يستطع أن يراها محرّرة.

انه حيوية في قضية، بل كان حيوية القضية. اذا سمعته، شعرت بأنه يدخل الى الأفئدة قبل العقول.

هو آسر الألباب، وقويّ الحجّة، وبليغ اللسان، ولطيف المعشر وخفيف الظلّ، وصلب كتراب الجنوب.

هو من مؤسّسي حركة القوميين العرب، أي أنه من الروّاد الذين رفضوا أن يستكينوا للفاجعة والنكبة، فقرّروا أن يستنهضوا الهمم ويجمعوا الإرادات، واستطاعوا أن يُشكّلوا منظومة قومية متماسكة، مترامية الأطراف في معظم بلاد العرب. 

وقعت الاشكالية عندما ظنّ البعض أن اليسار والقومية أمران مُتضادّان، فحاول جاهداً أن يبتكر صيغة اليسار القومي.

انحاز الى الفقراء، وبقيت العروبة اساساً في تفكيره وعقله، وآمن بقيادة العروبة التاريخية، هكذا أسماها، قيادة جمال عبد الناصر، وكان موضع ثقته ومحبته.

أذكر في يوم انه كان بزيارتي في القاهرة عندما كنت طالباً، وأحسست بأن حركة ما، تدور تحت المنزل، ثم قُرع الباب، فإذ بي أمام رجلين طويلين، مفتولي السواعد، يسألونني: اين الاستاذ محسن؟ فقلت من تكونان؟ اجابا: نحن حرس الرئاسة. ناديت على الأخ ابو خالد، فقالا له: إن الرئيس جمال بانتظارك منذ ساعتين.

 

كنت أعلم أنّه كان يتباسط معه وأنّه كان يُحدّثه بصراحة، وكان يختلف معه في كثير من الأحيان، ولكن مُحسناً، كان مؤمناً بقيادة هذا الرجل، وإن كان في كثير من الأحيان، يوجّه الانتقاد العلني.

في يوم، وبعد هزيمة الـ 67، ربما كان من الأوائل الذين استقبلهم جمال عبد الناصر، وشرح له ظروف الهزيمة، في حين أنه قُبيل حرب الـ 67 كان في زيارته ايضا وقد وجده ايضا شديد الثقة بنفسه. احسّ الأستاذ محسن أن أمراً وخللاً خطيراً حصل في الحرب، وحصل في الجيش، بل ربما حصل في بنية الدولة، ولكنّه لمس من الرئيس انه مُصمّم على الحرب واستعادة الأرض التي احتلتها اسرائيل، تحت شعار: "ما سُلب بالقوة لا يُستردّ بغير القوة". 

اندلعت الثورة الفلسطينية بعد الهزيمة ووضع الناس آمالهم في بديل افتراضي، وظنّوا ان الحرب الشعبية ستكون الحل لهزيمة الجيوش، مُستلهمين ما يحصل من نضال فييتنامي تاريخي أرغم القوة العظمى على الإنسحاب والتسليم.

فاتنا جميعاً أن الظروف تختلف، وانّ قيام عمليات متفرّقة لا يُمكن أن يُشكّل بديلاً عن إعداد الدول العربية لمجابهة دولة عصرية حديثة هي اسرائيل.

وضعنا جميعاً ثقتنا بهذه الظاهرة الحديثة، واكتشفنا بعد ذلك أن اسرائيل تستطيع ان تتعاطى معها، وأن تضربها في أماكن تجمّعها. فحصلت خيبة أخرى، ولكنّ هذه الخيبة فتّحت عيوننا على ما كنا نتجاهله، وهو أن مجابهة اسرائيل ليست ناجعة، إذا غيّرنا الوسائل، بل لا بد اولاً ان نتعاطى بفكر جديد وان نؤمن بأن الدول العربية القائمة ليست فداء لفلسطين بل سندا لها. فكّرنا كثيراً انه يُمكن أن تنهار العواصم من أجل القضية، فخسرنا العواصم، وخسرنا القضية. 

هنا، وقف محسن ابراهيم وقفته الشهيرة في اربعين جورج حاوي، وقال: لقد أخطأت الحركة الوطنية إذ عولت على الانغماس في الحرب الاهلية من اجل تغيير الموازين الداخلية، واعترف ايضا بنقد ذاتي علني شجاع: لقد حمّلنا لبنان أكثر مما يستطيع أن يتحمّل. 

بعد هذا، انزوى محسن، وحافظ على لقاءات متفرّقة مع بعض الأصدقاء، من حسن حظي اني كنت واحداً منهم. كنا نلتقي في مرات متفرقة في منزل الأخ جان عبيد والأخ توفيق سلطان، وكان صافي الذهن، سلس العبارة، واسع التفكير، وكان مستعدّاً ان يمارس مراجعة لمسيرة طويلة. لم يكن يُلقي اعباء هزيمة القضية على عاتق سواه، كان يقول نحن جميعاً شركاء في ما وصلنا اليه. 

محسن ابراهيم عندما شعر بأن قضيته تداعت، بدأ جسده بالتداعي ايضاً، كابر قليلاً، ثم آثر أن يبقى في عيوننا على قامته التي نعرفها وأناقته التي نعرفها، ولياقته التي نعرفها فحجر على نفسه ومنعنا من الاتصال به. كنا نستقي اخباره من الدكتور خالد او من حسين، المرافق الامين، ولكننا كنا نشعر بأنه ذهب بعيداً الى حيث لن نراه.

الآن نذهب الى أنصار ربّما نستطيع أن نُلقي عليه آخر نظرة، ولكنّه هو قرّر أن يدخل الى اعماق الارض لينظر الى ما بعد السماء، مُعتزاً انه أطلق مع جورج حاوي حركة المقاومة اللبنانية ضد العدوان الاسرائيلي. 

ربما الآن يُحضّر نفسه ليعقد اجتماعاً ثلاثياً مع الشهيدين كمال جنبلاط وياسرعرفات، وأظنّ ان اللقاء سيكون صريحاً جداً.