كيف تواجه الصين الحرب الباردة الأميركية عليها؟

03 حزيران 2020 11:49:28

بهدوء تام، وبخطواتٍ ثابتة وصلبة ومدروسة، وبقرارٍ غير معلن، تواجه الصين بجدية وحزم، الحرب الأميركية المفتوحة عليها من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي باتت في أولوية شعارات حملته الانتخابية لولايته الرئاسية الثانية، وفي صلب استراتيجية البيت الأبيض الجديدة، بعد أن كانت الحرب التجارية على الصين واحدة من الحروب التي خاضها ترامب على حلفائه وخصومه، "تحت شعار أميركا أولاً".

لقد نجحت الصين في احتواء الحرب التجارية التي أعلنها ترامب ضد بكين، لا سيّما محاصرته انتشار التوسّع المتسارع لشركة "هواوي" العملاقة، وقدرتها التنافسية للتكنولوجيا الأميركية، وفرضَ الضرائب الجمركية على الصناعات الصينية التي تُغرق الأسواق الأميركية بمختلف السلع الرخيصة الثمن، أي حيث كانت خطة الدفاع الصينية محكمةً ومرنة، وتراجعت فيها الصين خطوات. وأحرزت الصين تقدماً في خطواتٍ أخرى، لا سيّما الحفاظ على ثقة الشركات الأميركية التي تتعامل معها، كما أنها حافظت على متانة نموّها الاقتصادي، ومسار خطتها الاستراتيجية (طريق الحرير)، والتي تعبّدها شبكة الألياف الضوئية، والبنى التحتية لخدمة الإنترنت السريع (5G) في آسيا وإفريقيا وأوروبا، وبحيث يشكّل انتشارها قلقاً واسعاً للولايات المتحدة الأميركية، والتي تكرّس تفوّق الصين التكنولوجي على الغرب، وبالتالي قيادة العالم الجديد، لما لهذه الخدمة من قدراتٍ تقنية هائلة في مختلف المجالات الحياتية، والاقتصادية، والصناعية، والتجارية، والتي تمنح بكين تقدماً نوعياً على واشنطن في سرعة استخدام، وتغطية، ونشر، هذه الخدمة على مساحة واسعة من دول العالم، وهو ما يوفّر لها إمكانية التحكّم بالذكاء الاصطناعي العالمي.
عندما بدأ فيروس كورونا بالانتشار في الصين، الدولة التي ظهر فيها الوباء نهاية العام 2019، وقفت الولايات المتحدة بأذرعٍ مطويةٍ تترقب الحدث من خلال نظرتها السياسة، والاستغلال الاقتصادي، حتى قال أحد المسؤولين المقرّبين من البيت الأبيض في مقابلة صحفية إن، "تفشي الفيروس في الصين يمكن أن يوفّر زيادةً في الاقتصاد الأميركي من خلال تشجيع الشركات المصنّعة على العودة إلى أمريكا".

ومع خروج الوباء عن السيطرة، والانتشار في عواصم العالم، ومنها الولايات المتحدة الأميركية، وبدلاً من أن يعلن البيت الأبيض النفير العام لمواجهة الوباء الذي يهدّد البشرية، وبدلاً من أن يقود ترامب حملة التضامن الدولي والإنساني، من موقعه على رأس الأحادية القطبية ونظام العولمة، وبدلاً من احتضان منظمة الصحة العالمية، كنموذجٍ لهذا التضامن، دفنت الولايات المتحدة رأسها في الرمال، وأعلن ترامب سقوط العولمة، وقطع المساعدات عن منظمة الصحة العالمية، وأعلن حربه على الصين. وانبرت التحاليل الإخبارية، والتقارير الصحفية والاستخباراتية، والمواقف الرسمية، تنهال على مسامع العالم أصواتاً لتحميل الصين، "مسؤولية صناعة الفيروس"، واتّهامها بأنها "غطّت وضعها الوبائي"، و"تسترت عن نشر المعلومات حول الوباء لإبراز موقعها المتقدم عالمياً"، أو اتّهامها بعدم توفير الحماية السليمة لمختبراتها الفيروسية في ووهان، وغيرها من الافتراءات. وقد جهدت الولايات المتحدة جدياً في البحث عن إثباتٍ دليل قاطع يحمّل الصين مسؤولية الوباء تمهيداً لفرض عقوبات مالية قاسية عليها، وتحميلها مسؤولية الأضرار التي تكبّدها العالم جرّاء انتشار الوباء القاتل.

لقد أعلنت منظمة الصحة العالمية أن الوباء ليس صناعةً بشرية، وحذّرت من مخاطر انتشار هذه الجائحة التي أصابت ما يزيد عن 6 ملايين شخص، وقضت على أرواح ما يوازي 400 ألف بشري، وأظهرت هشاشة النظام الصحّي للعديد من دول العالم بما فيها الدول الغربية المتقدمة، وسط عجز المختبرات العالمية عن صناعة اللقاح والدواء المناسبَين لهذه الجائحة.

قابلت بكين الاتهامات الأميركية بمد يَدَ العون والمساعدة للدول الموبوءة، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية، وقدّمت المساعدات المالية لمنظمة الصحة العالمية، ووفّرت الخبرات والمعدّات اللّازمة للدول المحتاجة، وذلك بعد أن نجحت بمحاصرة الوباء في مدينة المنشأ، وبعض الولايات التي انتشر فيها، وفي إنشاء مجموعة مستشفيات متخصّصة للعلاج بسرعة فائقة، مقدمةً نموذجاً جديداً لمفهوم التضامن الاجتماعي والتعاون الدولي، بينما كانت الولايات المتحدة الأميركية تتصدر لائحة الدول الأكثر إصابةً بكورونا جرّاء تخبّط إدارة ترامب في تعاملها مع الجائحة. وبدلاً من أن يعزّز ترامب التضامن الأميركي مستثمراً ما حقّقه من نتائج اقتصادية في حربه التجارية مع الصين، عدَّل في مسار حملته الانتخابية لدورة العام 2020، معلناً القطيعة مع الصين، ومتهماً بكين بأنها، "ستفعل كل ما في وسعها كي أخسر انتخابات الرئاسة".

أظهرت استطلاعات الرأي تراجع الدعم للرئيس في ولايات أساسية في التنافس الرئاسي، وسط انتقاداتٍ لأدائه في أزمة كورونا، وقد بيّن أحدث استطلاعَين للرأي أجراهما مركزا بيو وغالوب أن، "عدم ثقة الأميريكيين بالصين، وصلت إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق، "لدى نحو ثلثَي الأميركيين. وهذا ما دفع ترامب إلى اقحام الصين في حملته الانتخابية، واتّهمها بالتصرف ببطء شديد لوقف انتشار كوفيد 19 في العالم.

بكين قرّرت الرد على الحملة الأميركية، وبدأت السير في المواجهة بخطةٍ ثابتةٍ لا تخلو من خطوات هجومية، فرفض وزير الخارجية الصيني وانغ يي، "الأكاذيب الأميركية حول فيروس كورونا المستجد، فيما أشار إلى انفتاح بلاده على أي جهدٍ دولي لمعرفة مصدره". ورأى أن الولايات المتحدة أصيبت "بفيروس سياسي" يجبر المسؤولين هناك على مهاجمة الصين باستمرار". وأعلن وانغ يي أمام الصحافة، "أن بعض القوى السياسية في الولايات المتحدة تأخذ العلاقات الأميركية الصينية رهينة، وتدفع البلدين باتّجاه حربٍ باردة جديدة".

وفي أعقاب إعلان ترامب فرض قيود على طلاب صينيين في الولايات المتحدة احتجاجاً على قانون الأمن القومي الصيني في هونغ كونغ، وقراره إلغاء الامتيازات الخاصة الممنوحة لهونغ كونغ لناحية الرسوم التجارية، ردّت الصين بغضب على الإجراءات الأميركية عبر المتحدث باسم وزارة الخارجية تجاو ليجيان، والذي قال إن، "أي كلماتٍ وخطواتٍ من شأنها أن تضر بمصالح الصين، ستُقابل بهجماتٍ مضادة من الجانب الصيني". وقال إن إجراءات واشنطن "تتدخل بشكلٍ خطير في الشؤون الداخلية الصينية، وتقوّض العلاقات الأميركية - الصينية".

وفي المؤتمر الصحافي الذي عقده في بكين، استغلّ تجاو التظاهرات المندّدة بالعنصرية في الولايات المتحدة ليتهمها بالنفاق معتبراً العنصرية، "مرضاً مزمناً في المجتمع الأميركي". وقال تجاو إن ردّ الحكومة الأميركية على وفاة الأميركي الأسود جورج فلويد على أيدي الشرطة، "مثالٌ واضح على معاييرها المزدوجة المعروفة عالمياً".

بدورها انتقدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية هوا شون ينغ السبت واشنطن، وكتبت على تويتر، "لا أستطيع التنفس"، مرفقةً العبارة بصورة لتغريدة للمتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، مورغن اورتيغوس، انتقدت فيها سياسة الصين في هونغ كونغ.

وكانت هوا اقتبست العبارة التي سُمع فلويد يردّدها تكراراً قبيل وفاته في مينيابوليس، وذلك بعد أن ركع شرطي على رقبته لنحو تسع دقائق. ووجّهت السلطات إلى الشرطي تهمة القتل من الدرجة الثالثة، أي القتل غير العمد. 

بين بكين وواشنطن تاريخ طويل من الصراعات والخلافات، وعلى الرغم من المصالح التجارية والصناعية والاقتصادية القوية بينهما، إلّا أن قلق واشنطن من الصعود المتنامي للصين، وتقدّمها التقني والصناعي والتجاري، وتحوّل استراتيجية بكين من الداخل نحو الخارج، لا سيّما مع أوروبا وإفريقيا وشرق آسيا، وإعادة إحياء خطوط التجارة التاريخية للإمبراطورية الصينية، المعروفة بـ"طريق الحرير"، والمصحوبة بقدرةٍ تكنولوجية هائلة، وقدرة إنتاجية كبيرة، تضع واشنطن أمام منعطف المواجهة للحفاظ على موقعها المتربّع على الزعامة الأحادية القطبية، أو العودة إلى الحرب الباردة غير التقليدية مع التنين الناري، وذلك بعد 28 عاماً على انتصارها على الدب الروسي. وفي هذا السياق تبدو خطوة ترامب توسيع دائرة المدعوين إلى قمة مجموعة الدول السبع، وذلك بعد قرار تأجيلها إلى الخريف المقبل، وإعادة روسيا اليها، إضافةً إلى الهند وكوريا الجنوبية واستراليا، بأنها لا تخلو من محاولة استمالة هذه  الدول إلى جانبه في حربه مع بكين، وزرع الشقاق بين الأقطاب الأساسية لمجموعة شانغهاي الصين – روسيا – الهند.