لا رحمة على من يقتل نفسه...

02 حزيران 2020 19:42:46

يعتقدون أن الرصاص هو السبب الأول لقتل النفس، ولا يلبث أن ينتشر خبرٌ من هذا النوع إلّا وتبدأ الرصاصات الحقيقية بالخروج من أفواه الناس والمجتمع. والمجتمع نفسه في بعض الأحيان يكون اليد التي ضغطت على الزناد، وأطلقت أفكاراً برائحة الخلاص للنفس الضعيفة.

ودائماً نكون بصف الإنتقاد، والأحكام المسبقة، معتقدين بأننا نُصلح الناس بجملة قتل النفس حرام. ولكن الظلم حرامٌ أيضاً، والتنمّر الفكري حرامٌ أيضاً. والحكمُ على المظهر حرام، والأهم أنه عندما لا تكون قد فعلتَ شيئاً لمساعدة شخصٍ ضعيف، وانتظرتَ وقوعه والحكم عليه، فهذا هو أكبر حرامٍ عند اللّه. 

لا رحمة على من قَتَلَ نفسه! ولكن هل كانت هناكَ رحمةٌ عندما كان على قيد الحياة؟ الرحمةُ من عند اللّه، ولا يستطيع بنو البشر أن يقرّروا على مَن تجوز أو لا تجوز! الشيء الوحيد الذي نستطيع فعله في هذه الحالة هو الندم لأننا كنا موجودين مجاهرين بالإنسانية، وسمحنا لأنفسنا أن نتجرّد منها، غير آبهين بأن الذي رحل قد رحل، وأن لا قيمة لما نقول، أو نفكّر فيه، إنما المفروض وضع اليد على الجرح الكبير الذي يكمن في مجتمعنا. وهذا ليس تبريراً لنزعة الانتحار، فالموت من غير إرادة اللّه خطأ، ولكن لو وضعنا أنفسنا، نحن أصحاب الأحكام الرنانة، مكان أشخاص تركونا بنفس الطريقة، نجد بأنهم لم يكونوا أبداً ضعفاء!! بل كانوا أقوياء أكثر منا، ولكنهم ضعفوا نتيجة صفعات القدر والحياة على حدٍ سواء، وكنا نحن من يزيد الأمر سوءاً...

قالها كمال جنبلاط، إننا لكي ننتصر علينا أن نبني فينا نفوساً قوية لا ترضخ للشرّ الموجود في داخلنا. ومن قتلَ نفسه، ولم يشأ أذية أحد، ولم يطلب شيئاً من أحد فقد أراد الرحيل، وكان علينا كمجتمع أن نرى عن قرب، لا أن نُنَظِّرَ من بعيد.

ليس هناك أحدٌ في هذا الكون يعلم ما يخفيه فؤادٌ مكسورٌ، وما تخفيه نفسٌ لا تقوى على الوقوف، وعقلٌ يخسر معركته الأخيرة مع نفسه. 

نترحّم على كل من كانَ معنا في رحلة الحياة وقرّر الخروج قبل الوصول إلى المحطة الثانية. ولو كنا آبهين لغير أنفسنا لما سمحنا لهم القفز من القطار ...

في النهاية جميعنا مذنبون في شيءٍ ما، وننتظر نهاية الرحلة حتى نطلب من الله أن يرحمنا. 

 

*هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".