هل تبلور ردٌّ لبنانيّ رسميّ على "هواجس" واشنطن؟

رامي قطار |

هل ولدت الحكومة بين ليلةٍ وضحاها بضوء أخضر أميركي؟ قد يبدو هذا السؤال منافيًا لحقيقة ما يؤكده معظم القادة اللبنانيين ومفادُه أن الحكومة صناعة وطنية مئة في المئة، رغم أنّ هؤلاء أنفسهم كانوا يتحدثون عن عقدٍ خارجية.

ما لم يتفوّه به هؤلاء في معرض حديثهم عن العقد الخارجية إنما ينطوي على اعتراضٍ أميركي صريح على مشاركة حزب الله في الحكومة الجديدة بحقائب وازنة، بعدما فقدوا الأمل من إمكان إقصائه نهائيًّا من الحكومة كونه شريكًا أساسيًّا في الوطن والحكم لا يمكن تجاهله بهذه السهولة ولا سيما بإيعاز خارجي. تلقّف حزب الله العرقلة الخارجية بذكاء، فاستولد عقدةً داخلية ملك هو وحده حلّها: عقدة توزير سنيّ من خارج حلقة تيار المستقبل، وما إن فقد الأميركيون الأمل بإبعاد الحزب حتى وجد الأخير نفسه حلًّا سريعًا لعقدة "اللقاء التشاوري". بذكاء ووطنيّة عاليين فكّر حزب الله وتصرّف، فأتت الترجمة من خلال وزيرٍ للصحّة من غير الحزبيين لا بل من المؤيدين عن بعد وذلك حرصًا على  عدم إحراج رئيس الحكومة سعد الحريري أمام الأميركيين ودرءًا للمخاطر التي تنهش جسد البلد لا سيما اقتصاديًّا.

لم يكن وقع مقابلة السيد حسن نصرالله مع قناة الميادين خفيفًا على الأميركيين، ولا حتى خطابه الأخير الذي طغت عليه الملفات اللبنانية بعدما ليم السيّد حسن نصرالله إزاء منحه وقتًا قصيرًا في مقابلته للتطرُّق إلى الملفات الداخلية. لم يكن ردّ الفعل الأميركي متوقّعًا ولم ينتظر أحدٌ أن توزّع السفارة الأميركية بيانًا تعبّر فيه عن "قلقها لكون حزب الله، الذي تصنفه الولايات المتحدة منظمة إرهابية أجنبية، سيستمر في تولي مناصب وزارية وقد أجيز له بتسمية وزير الصحة العامة". لم يقف البيان عند هذا الحدّ بل تجاوز كلّ الأطر الدبلوماسية لتسمح الوزارة الخارجية لنفسها بدعوة "الحكومة الجديدة الى ضمان ألا توفر موارد هذه الوزارات وخدماتها دعما لحزب الله".

وبعد التهنئة في البيان إلماحٌ إلى زيارة قريبة لوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى بيروت، فما هدف هذه الزيارة؟

يقرأ كثيرون في هذه الزيارة استكمالًا لما أتى من أجله وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية دايفيد هيل إلى بيروت والذي عاد خائبًا بعدما "زكّى" حكومة تصريف الأعمال ليُفاجأ بعد أيام بإرادة لبنانية صلبة في تشكيل الحكومة. فمحاولات الأميركيين لتحجيم حزب الله وأنشطته في الداخل لا تلقى آذانًا صاغية حتى لدى "حلفاء" واشنطن في لبنان والذين استدركوا خطورة الوضع أو في أحسن الأحوال ما ملكوا مفتاح تغيير وقائع التشكيل أقله على مستوى نزع حقيبة الصحّة من حزب الله. وفي هذا المجال، يحضر بومبيو إلى لبنان لتذكير القادة اللبنانيين بالخطوط العريضة للعقوبات التي وقعتها بلاده ضدّ حزب الله وتأثيرها على لبنان سياسيًّا واقتصاديًّا، ملوّحًا بما حدث لتركيا بين ليلةٍ وضحاها يوم قرر الأميركيون تدمير اقتصادها ونقدها.

يبقى الرهان على شكل الردّ الرسمي اللبناني على مقترحات وسقوف أيّ زائر أميركي، لا سيما أنّ النبض اللبناني بات اليوم أقوى من الأمس بعد تشكيل الحكومة واقتراب إنتاج بيانها الوزاري ونيلها ثقة المجلس النيابي.