واشنطن والسماوات المفتوحة

28 أيار 2020 09:16:00 - آخر تحديث: 28 أيار 2020 09:17:10

اتفاقية السماوات المفتوحة، أو الأجواء المفتوحة، أحد مُنتجات مرحلة ما بعد انهيار الثنائية القطبية. فقد بدأ التفاوض حولها في عام 1992 في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة الأميركية تفتش عن أي وسيلة يمكن تطبيقها، لتكريس واقعة الأُحادية القطبية بزعامتها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وكانت تخشى من عودة روسيا التي ورثت الاتحاد إلى المسرح الدولي، من خلال القوة النووية المتقدمة، والتي لم تتأثر كثيراً بالخواء المالي والاقتصادي الذي تركه الاتحاد المتهاوي.
مهما يكُن من أمر؛ فإن الاتفاقية الآنفة الذكر لم تصبح سارية التطبيق سوى في 21 مايو 2002، ذلك عندما شعرت واشنطن أن إعادة الاندفاعة الروسية بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين الذي تسلَّم زمام الأمور في الكرملين بانتخابات شعبية كاسحة مطلع الألفية، وبدأ يتحدث عن الطموحات في إعادة روسيا بقوة إلى الساحة الدولية بعد انكفاء دام ما يقارب 10 سنوات. وحماسة واشنطن في حينها للتوقيع على المعاهدة مع حلفائها الأطلسيين، قابلها رغبة الرئيس بوتين في إعادة التفاوض مع دول حلف الأطلسي، وفك العزلة التي أحاطت بروسيا في تسعينات القرن الماضي من جهة، وبهدف الاستفادة من اتفاقية السماوات المفتوحة لاستكشاف التطور العسكري والنووي الذي تعمل له واشنطن وحلفاؤها من جهة ثانية.

الاتفاقية تضم روسيا والولايات المتحدة الأميركية و32 دولة أخرى غالبيتها تنضوي تحت لواء حلف شمال الأطلسي، وهي تعطي الحق لأي من الدول الأعضاء بالاتفاقية بتسيير رحلات استكشافية عسكرية فوق أراضي أي دولة أخرى، بشرط إخطار هذه الدولة للدولة المعنية بهذه الرحلات قبل وقتٍ وجيز، كما على الدولة المُستكشفة أن تمنح الدولة المعنية نسخة عن المسح والصور التي التقطها فوق أراضيها.

تحدثت مقدمة الاتفاقية عن الأسباب الموجبة لها، وأهمها زيادة الثقة بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية ودول الأطلسي الأخرى، وهي عامل اطمئنان بعدم توافر أي نوايا عدوانية، ولا يوجد ما يمكن أن يتم إخفاؤه في مجال السباقات العسكرية والنووية على وجه التحديد، لأن الاستكشافات الحديثة يمكن لها أن تلاحظ أي تغييرات على القواعد العسكرية القائمة.

روسيا كانت قد أعلنت عام 2017 أنها ستضع قيوداً على بعض الرحلات الاستطلاعية، وهي تمنَّعت عن إعطاء الإذن لطائرات الاستطلاع الأطلسية بالتحليق فوق جيب كالينجراد المطل على بحر البلطيق. وهذا الموقف استند إليه الرئيس دونالد ترامب عند إعلانه الانسحاب من المعاهدة في 21 مايو/(أيار)، معتبراً تحليق طائرات الاستطلاع الروسية فوق مناطق أمريكية حساسة استفزازاً لبلاده. وقال ترامب:«لا بد من إعادة النظر ببنود الاتفاقية في جو ودي لأننا لا نُكنّ أي عداء للأصدقاء الروس حالياً».

الخارجية الروسية رفضت الاتهامات الأميركية بخرق المعاهدة، وقال نائب وزير الخارجية سيرغي ريابكوف: «إن واشنطن تحاول التملُّص من كل الاتفاقيات التي تضع حدوداً لسباق التسلح، وهي كانت قد وضعت ذات الحجة العام الماضي عندما انسحبت من اتفاقية الحد من انتشار الصواريخ النووية المتوسطة المدى، والتي تم توقيعها بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي السابق عام»1988.

وزيرة خارجية النرويج إينة إريكسن انتقدت الموقف الأميركي بالانسحاب من معاهدة السماوات المفتوحة، علماً بأن بلادها عضو في الاتفاقية وهي حليفة لواشنطن؛ واعتبرت اريكسن أن المعاهدة جزء أساسي من منظومة الحماية للأمن الدولي، وأي خروق لها يمكن معالجته بالتفاوض المتاح بين أطراف الاتفاقية من دون تدميرها كلياً.

من المؤكد أن للرئيس ترامب حسابات سياسية وانتخابية من وراء قرار الانسحاب، وهو كان قد أوحى العام الماضي بأن أي اتفاقية أمنية أو عسكرية لا تشارك فيها الصين؛ تكون ناقصة، نظراً إلى الحاجة الملحة لوضع ضوابط أمام تنامي قوة الصين العسكرية والتكنولوجية، وهي زادت موازنتها الدفاعية 6,6% هذا العام.

قد يرى الرئيس ترامب أن إظهار القوة أمام روسيا وغيرها يساعده في حملته الانتخابية في الخريف المقبل، ويمكن أن يكون مصدر تعويض محتملاً عن الإخفاق الذي تسبب به فيروس كورونا، لأن الظروف الداخلية التي أحاطت بمعالجة الجائحة القاتلة؛ لم تُساعده بما فيه الكفاية في حملته، لأن إخفاقات واشنطن في مواجهة الوباء لم تختلف عن إخفاقات الدول الأُخرى، كما أن تراجع مستوى النمو الاقتصادي بسبب انعكاسات الفيروس؛ أصاب طموحاته بخيبة كبيرة، لأن نجاحه في تقليص مستوى البطالة، ورفع نسبة النمو كان واضحاً خلال الثلاث سنوات الماضية من حكمه، وكانتا سبب قوته الرئيسية.