الحرم الإبراهيمي في مواجهة الإرهاب

22 أيار 2020 15:45:00 - آخر تحديث: 27 أيار 2020 14:47:03

يعتبر العديد من الساسة في «إسرائيل» أن الظروف مناسبة للانقضاض على الشعب الفلسطيني، وعلى حقوقه ومقدساته.

لم ينس العالم بعد هول المجزرة التي ارتكبها أحد المستوطنين اليهود الإرهابي جولدشتاين في 25 فبراير/شباط 1994، عندما اقتحم باحة المسجد الإبراهيمي في الخليل جنوبي الضفة الغربية، وأطلق النار على المصلين الآمنين، وقتل 29 وجرج 150 من بينهم، وقد أشارت الوقائع كما في الصحافة العالمية حينها إلى تسهيلات قدمتها قوات الاحتلال «الإسرائيلي» للإرهابي للوصول إلى المكان مزوداً بالسلاح.

قرار وزارة الدفاع «الإسرائيلية» بالمباشرة في تنفيذ خطة الاستيلاء على الحرم، أثار استنكاراً فلسطينياً واسعاً، ودانته وزارة الأوقاف الفلسطينية التي تُشرف على المكان، وكذلك الفصائل الفلسطينية، كما استنكرت جامعة الدول العربية القرار العدواني، بينما أكد البرلمان العربي أن المشروع «الإسرائيلي» الجديد يعتبر عدواناً دولياً فاضحاً، يترافق مع تأكيد المحكمة الجنائية الدولية الدائمة لصلاحيتها بملاحقة المرتكبين على أراضي الضفة الغربية؛ كونها أراضي محتلة وفقاً للقرارات الدولية ذات الصلة، لاسيما القرار 242 لعام 1967.

المشروع العدواني «الإسرائيلي» الجديد يتضمن إنشاء طريق يصل إلى مبنى المسجد وباحاته، مع إنشاء مصعد ضخم بحجة تسهيل وصول ذوي الاحتياجات الخاصة من المستوطنين اليهود، وهؤلاء يدّعون زوراً أن المكان هو منطقة مقدسة لديهم، تسمى «مغارة المكفيلة»، علماً بأن الحرم ومحيطه تابعان للأوقاف الإسلامية الفلسطينية، وهي التي تشرف عليه تحت وصاية وزارة الأوقاف، ومنظمة اليونيسكو، مثل كل الجهات العربية والدولية، تؤكد اعتباره جزءاً من الأراضي العربية في فلسطين، وتعترف بخضوعه للسلطة الفلسطينية.

ما يثير المخاوف من مسلسل عدواني جديد، هو المعلومات التي تم تسريبها على كون المصادقة على خطة الاستيلاء الجديدة تلحظ وضع اليد على الأراضي المحيطة بالحرم، لإنشاء الطريق وإقامة المصعد، وتصديق وزارة القضاء «الإسرائيلية» على استملاك هذه الأراضي بالقوة. وأكثر من ذلك، فإن قرار الاحتلال بالموافقة على تنفيذ الخطة العدوانية، كان جزءاً من التوافقات التي حصلت على تشكيل حكومة ائتلافية بين حزب الليكود بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وحزب «أزرق أبيض» بزعامة بيني جانتس، يتولى رئاستها الاثنان مداورة.

ومؤشرات الخطورة على السياسة العدوانية الجديدة، هي إعلان الطرفين «الإسرائيليين» عزمهما فرض السيادة «الإسرائيلية» على أجزاء من الضفة الغربية المحتلة، وعلى كامل محيط المستوطنات. وتعهد فريقا الاتفاق بعدم المسّ بقانون هوية الدولة، الذي يعتبر «إسرائيل» وطناً قومياً للشعب اليهودي. كل ذلك يبعث على القلق من المخططات العدوانية الجديدة، بحيث يعتبر العديد من الساسة في «إسرائيل» أن الظروف مناسبة للانقضاض على الشعب الفلسطيني وعلى حقوقه ومقدساته، على اعتبار أن المنطقة برمتها تقع تحت تأثير الفوضى، وهناك ما يُشبه الضياع بين صفوف القوى التي تساند الشعب الفلسطيني في نضاله.

ومن المؤكد وفقاً لمدير الحرم الإبراهيمي الشيخ حفظي أبو سنينه، أن بدء تنفيذ الأشغال في نطاق الحرم سيؤدي إلى وقوع مواجهات بين المستوطنين وقوات الاحتلال من جهة، وبين الفلسطينيين من جهة ثانية، ولا يُخفف من حدة الاعتراض الفلسطيني على هذه الخطة الجائرة، تكليف كميل أبو ركن منسق أعمال الحكومة في المناطق المحتلة، بالإشراف على تنفيذ الأشغال؛ بل على العكس فهو يزيد حدة الامتعاض، ويفاقم التوتر.

وتعتبر حركة فتح أن الخطة العدوانية الجديدة لا مُبرر عملياً لها، لا بحجة تسهيل المرور إلى الأماكن المقدسة للجميع، ولا بحجة تمكين ذوي الاحتياجات الخاصة الذين لا يستطيعون المشي على الدرج القديم من الوصول إلى هذه الأماكن؛ بل إن الهدف الأساسي لهذا المشروع قضم مزيد من الأراضي الفلسطينية، وطرد سكانها من العرب الفلسطينيين، وتسهيل اقتحام المستوطنين لباحات الحرم الإبراهيمي، والاستيلاء على الساحات المحيطة به والمرافق التابع له.

يبدو واضحاً أن «إسرائيل» تحاول استغلال الأوضاع الصعبة التي يمر بها الشعب الفلسطيني، وحالة الارتباك العارمة التي تسود العالم أجمع جراء تداعيات جائحة كورونا القاتلة، وكذلك مرحلة ما قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر القادم، لتنفيذ مآربها العدوانية، وهي بذلك تدفع منسوب التوتر في المنطقة برمتها إلى مستويات عالية؛ لأن الشعب الفلسطيني والعرب جميعاً والمسلمين، لن يسمحوا بتمرير هذه الخطة، ولا بالتفريط في المقدسات.