تجربة خلية الأزمة في قرية جبلية

25 أيار 2020 23:26:00 - آخر تحديث: 26 أيار 2020 12:24:07

عندما بدأ هجوم الفيروس القاتل في بداية شهر آذار، تداولنا بموضوع إنشاء خلية أزمة أطلقنا عليها اسم "خليّة أزمة كورونا باتر". 

تألفّت هذه الخليّة من الممثّلين المنتخَبين من أهل القرية، وضمّت رئيس بلدية ونائبه، والمخاتير، والجسم الطبي في القرية من أطباء وصيادلة، ومدير فرع الحزب التقدمي الاشتراكي. 

اجتماع الخلية الأول كان في 2020/3/15 بكامل أعضائها، في مبنى  البلدية وقد وُضعت خلاله خطة العمل، كما أنشأت الخلية مجموعةً على الهاتف للتواصل مع أعضائها، وتمّ الاتفاق على عرض الاقتراحات والتصويت عليها عبر هذه المجموعة، وذلك لأخذ القرارات  التي يُدعى المواطنون إليها. 

خليّة الأزمة كانت، وما زالت، كخلية النحل، وأبرز نشاطاتها:

 1- اللقاء الأول كان مع الوافدين السوريين الذين يزيد تعدادهم عن 700 مواطن سوري. وتمّ ذلك بحسب إرشاداتٍ قدّمها أحد الأطباء، وفُحصت خلال اللقاء حرارة جميع المشاركين. 

2- حواجز قام بها متطوعون من الحزب، ومنظمة الشباب التقدمي، لفحص الحرارة للقادمين، وتعقيم السيارات القادمة إلى البلدة.

3- تعقيم البلدة، ودور العبادة، والأماكن العامّة، إضافةً إلى منازل الوافدين. 

بدأت الضغوط التموينية تلقي بظلّها على الوضع المعيشي، لذلك قمنا بمراسلة أهلنا في بلدان الاغتراب، وأسّسنا معهم صندوق تعاضدٍ وتكافل اجتماعي. 

طالت الأزمة المعيشية، وإقفال سُبل العمل، المواطن المقيم، وأيضاً المغترب، ورغم هذا بدأت المساعدات تتوالى من الخارج، وأيضاً من أهالي القرية، حيث وُزّعت صناديق للتبرعات في المحلات التجارية. وبدأت أيضاً التبرّعات العينية، مثل الزيت، والطحين، والصابون، وبعض المنتجات البلدية، بالوصول. كما بدأت الخليّة بشراء مواد تموينية بعد استدراج عروض، وتولّى أحد المخاتير  أمانة المال. 

قامت الخلية كذلك بإحصاء لجميع السكان، ووضعت لوائح اسمية وفق معايير صارمة، وبدأت بتوزيع المساعدات على أكثر من مئة مواطن، وقد وزّعت الدفعة الثانية في أوائل الشهر. 

الدواء أهم من الغذاء
لتدارك النقص في الأدوية، اعتمدنا على إحصاء لمن يتناول أدوية للأمراض المزمنة، وقد تمّ تأمين قسمٍ كبيرٍ منها عبر إحدى الجمعيات، ونحاول تأمين ما تبقى من الأدوية عبر ميزانية الخلية. 

وأطلقنا كذلك التوجّه الاجتماعي نحو أهل قريتنا منذ البداية حول كيفية القيام بمناسبات الوفاة والعزاء. وجاء تعميم مشيخة العقل ليساعدنا في هذا الموضوع الذي لا يزال التجاوب معه ناقصاً من قِبل أهلنا ومجتمعنا. 

بدأنا الآن الشهر الثالث من العمل، والهمّة لا تزال قوية، وأمور الخلية مقبولة مادياً، وممتازةٌ معنوياً. 

أحببت القول من وراء عرض تجربتنا المتواضعة هذه إن الاتّكال على النفس هو المطلوب بقدر  قساوة الهجمة، وبقدر تكافل الناس وقيامهم بواجباتهم المادية والمعنوية. وعندها تستطيع كل القرى الجبلية أن تعالج مشاكلها بنفسها حتى بدون الحاجة إلى هذه الدولة البائسة التي لم نرَ منها أيّ مساعدات، اللّهم إلّا توجيهات القائم مقام لبعض الأمور التنظيمية، ومساعدات الأربعمائة ألف ليرة، ولا أعلم أي إحصاءٍ اعتُمد. 
 
في النهاية أتمنّى أن تكون تجربة قريتنا رائدة وناجحة في مساعدة قيادتنا الوطنية على الصمود. هذه القيادة التي أمّنت الشتول والبذور، بعد أن قامت بإرشادات صحية، ودورات زراعية، وذلك عبر مؤسّسة فرح الاجتماعية، ومحمية أرز الشوف، لمساعدة الناس على تأمين بعض التزاماتهم المعيشية. 

هذا هو العمل المباشر الذي تحدّث عنه كبير شهدائنا كمال جنبلاط، وطبّقه أثناء زلزال 1956، وفي قريتنا بالذات، بالعمل شخصياً في بناء بيتٍ نموذجي لا يزال قائماً، وشاهداً على اقتران القول بالفعل.

(*) عضو مجلس قيادة الحزب التقدمي الإشتراكي