قشرة الأدب

د. قصي الحسين |

ما قيمة الأرض كلّها، بكلّ عواصمها، وبكل امبراطوريّاتها، لولا القشرة الخضراء عليها؟

تبادر إلى ذهني هذا السؤال وأنا أقف على نعي الأديب والشاعر صلاح ستيتية،  الذي كان يمثّل حديقةً وارفةً من أدب، حيثما حل من العالم.

كنت أقول لنفسي: ما قيمة لبنان، لولا قشرة الأدب التي أنبتت: جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وشبلي الملاط، وعبدالله العلايلي، وأمين الريحاني، ودوحة آل الأمين، ودوحة آل الزين، ودوحة البساتنة، ودوحة آل معلوف، ودوحة اليازجي، ودوحة الشدياق. وشجر الدوح في جبل عامل، والبقاع، والشمال وعكار.

استيقظني رحيل د. صلاح ستيتية عن قشرة الأدب التي تغطي لبنان من أقصاه إلى أقصاه، تماماً كما تغطي أديمه القشرة الخضراء من أقصاه إلى أقصاه.

كان لا بدّ وأن تصل قشرة الأدب إلى منتهاها مع صلاح ستيتية. كان لا بد لظلّه الوارف أن ينحسر بعد أعوامه التسعين. 
 ذلك الكاتب الفرنكوفوني، والذي أنبتته بيروت، كما شمسُ الروشة، تشرق من صنين، وتغرب في البحر، أو تشرق من البحر وتغرب وراء صنين، مع العارفين والمتعَبين.

عرفتُ الزملاء الذين كانوا ينتظرون إصداره الجديد، ليتسابقوا على ترجمته، ثمّ يُكملون المسابقة أمام دور النشر، وبعد ذلك تتسابق الترجمات لتطير الإصدارات مثل العصافير من أعشاشها، وتتسابق في التحليق. 

ما عرّفني أحد على "حمص" وأدخلها في قلبي، وملأ رئتيَّ بروضتها، وببكاء نهر العاصي عليها، كما بكاء ديك الجنّ والميماس، بعد خروج البيزنطيين منها، مثلما فعل ستيتية وهو ينقل لنا مراثي المدينة البيزنطية، الطرة في الأدب البيزنطي، وبعيون الشعراء البيزنطيين.

جلا ستيتية هذه العروس بين طرابلس، وتدمر، وحماه، وطرطوس. تقصّى أعظم الشعر فيها، تماماً كما جلاها وبكاها ابن بجدتها، الشاعر المهجري نسيب عريضة. 

صلاح ستيتية، شراع وقاع. كان يلحق بفلكته أهل الجامعة وهو على متن شراعه. منهم من قضوا قبله، ومنهم من انتظر بعده. وهو لا يزال يصارع ويعارك، بين الأفق والموج، يقشر زبد البحر زنبقة من أدب لعينَي بيروت.

كان يغوص على المحار في أعماق القاع، يقطف اللؤلؤ والمرجان، وينشر الزمرد على الأكناف من الحرج إلى المرفأ، إلى الحمرا، إلى الصنايع، إلى جاندارك. صلاح ستيتية، لا يعادله شاعر. خبط المتوسّط بيديه. خبطَ المتوسط بضفّتيه، وأنبت فيه الشعر. وأنبت فيه الموج. لا نعرف في شعره، بيروت من باريس، ولا نعرف الشرق من الغرب، ولا نعرف آفاق السماء من  مناحي وآفاق أمّه الأرض.

انتظر معنا ربيعاً قادماً من بعيد. انتظر معنا ربيعاً لبيروت. رحل، شاعراُ بانتظارٍ طويل، لتسعة عقود أو يزيد. وترك خلفه غيمةً، ودمنة، وقشرة خضراء خلف الباب، وفلكة من أدب العباب واليباب. وشعباً يظلّ على تاريخه، ينتظر الإياب.


* أستاذ في الجامعة اللبنانية

*هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".