السرقة خطأ لاشك... لكن؟

21 أيار 2020 21:03:00 - آخر تحديث: 21 أيار 2020 21:22:53

قال أحدهم : للّه درّ العمل؛ إنه يُبعد عنّا

ثلاثة عيوب: السآمة، والرذيلة، والحاجة.

 أُلقي القبض على المواطن الإيطالي من أصل أوكراني، رومان أوستاريكوف،
 بسبب سرقة بعض الأشياء من "سوبر ماركت"، لأنه كان في حالة جوعٍ خطرة. فأمسكته الشرطة ،وعُرض على المحكمة، وتمّ الحُكم عليه بالسجن ستة أشهر، وبغرامة مئة يورو!!

ولكن المحكمة العليا قرّرت بعد وصول القضية إليها، إلغاء جميع العقوبات المقرّرة بحقّ السارق رومان أوستاريكوف لأنه سرقَ بدافع الجوع، فالأمر ليس جريمة. وأمرت المحكمة بتعويض صاحب "السوبر ماركت" من الدولة.

 وقالت المحكمة: نحن في دولةٍ مُتحضِّرة، وحقّ البقاء يفوق حقّ المُلكية. وفي دولة مُتحضِّرة لا يجب أن يموت أحدٌ من الجوع، حتى أسوأ الرجال!!

قبل هذه الحادثة بألفٍ وأربعمائة سنة، سرقَ غِلمانٌ لحاطب بن أبي بلتعة ناقة رجلٍ من مُزينة، وذبحوها، وأكلوا منها. وجِيءَ بالغلمان إلى عُمر بن الخطاب ليقطع أيديهم.
فلما نظرَ إليهم عمر وجدهم ضامري الأجسام، صُفر الوجوه. فقال: من سيّد هؤلاء؟
 فقيل له: حاطب بن أبي بلتعة.
 فقال: جِيئوني به.

 فلما حضر حاطب بين يديه، قال له عمر: لقد كدتُ أُنزل بهم العقاب لولا أنّي علمْتُ أنك تُجيعهم. ولولا أن جاعوا ما سرقوا، ولن يَنزل العقاب إلّا بك!
وسأل المُزني: كم ثمن ناقتك؟
 فقال: أربعمائة.
 فقال عُمر: اعطوه ثمانمائة!
 وقال للغلمان: اذهبوا، ولا تعودوا لمثلها.
"منقولة" 

السرقة ليست خطيئة، بل هي خطأ وعار، ومرفوضة، وهي منبوذة لا شك. ولولا أن اللّه كرهها ما وضع فيها أحداً. والسارق الحقيقي ليس ذاك الذي يسرق رغيفاً ليأكله، وإنّما هو ذاك الثري الجشع الذي سرقَ رغيف الفقير فاضطره للسرقة.
اللُّصوص الحقيقيون ليسوا أولئك الذين ليس لهم وسيلة إلّا هذه. وهم خاطئون، لا جدال في الأمر. وإنما هناك من هُم أكثر خطأً منهم، أي مَن ارتكب خطيئة تجويع الفقراء البُسطاء الأكثر جوعاً، 
وهم الذين سرقوا الأفراح من أعمارهم حين سرقوا أرزاقهم، وأموالهم، وآمالهم، وتركوهم فريسة آلامهم.
والجزء الذي أعدّته الحياة لهؤلاء هو السآمة التي لا تنفكّ تلازمهم حيثما ذهبت أفكارهم، وهو الملل، واليأس من كل شيء حتى يروا أن هذه الأزمة أشدّ عليهم من قسوة عذاب الحياة...
وكانوا يعتبرون أن الجوع يستطيع أن يترصّد كل الأبواب، ولكنه لا يجرؤ على اقتحام أبوابهم.
وكم كنّا نتمنّى، ونرجو اللّه، أن لا يدع الجوع يقتحم أي باب، وأن لا تبقى مظالم اجتماعية بيننا.
ويبقى أن الغنى هو في الإيمان باللّه، وبإيقاظ الضمائر عند البعض من أجل الوطن، والفقراء الجائعين.
وإلى كل المنتظرين المؤمنين، دمتم سالمين.

*هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".